رحمة الغناء أم تجار الوعظ؟
جبار فريح شريده
في مشهدٍ يثير الكثير من الأسئلة، نرى بعض مشاهير الغناء والرقص والفن يتجهون إلى التبرع وبناء المدارس ودعم الأيتام والفقراء، بينما تظهر في المقابل اتهامات بحق بعض رجال الدين أو المؤسسات الدينية باستغلال أموال التبرعات المخصصة للفئات المحتاجة. وهنا تبرز مفارقة تستحق التأمل: هل تُقاس أخلاق الإنسان بما يقوله عن الفضيلة، أم بما يفعله من أجل الناس؟
قد يختلف الناس حول الفن والغناء والرقص، ولكل مجتمع ومدرسة دينية وثقافية موقفها من هذه المسائل. لكن من الصعب أن نفهم كيف يمكن أن يكون العمل الفني، في نظر البعض، محرماً بمجرد كونه غناءً أو رقصاً، بينما يصبح الاعتداء على أموال اليتامى أو التلاعب بالتبرعات أمراً يمكن تبريره أو التغاضي عنه.
المشكلة ليست في أن يكون الإنسان متديناً أو فناناً؛ فالتدين ليس اتهاماً، والفن ليس دليلاً تلقائياً على الصلاح. المعيار الحقيقي هو السلوك. فمن يمد يده إلى مال يتيم فقد ارتكب ظلماً، مهما كان منصبه أو لباسه أو خطابه. ومن يخصص جزءاً من ماله لبناء مدرسة للأطفال المحرومين، فقد قدم عملاً إنسانياً يستحق التقدير، بغض النظر عن مهنته أو شهرته.
إن اليتيم لا يحتاج إلى خطبة عن الرحمة بقدر حاجته إلى مدرسة، وكتاب، ومقعد، وطعام، ورعاية تحفظ كرامته. ولا يسأل الطفل المحتاج: هل الذي ساعدني مغنٍّ أم رجل دين؟ بل يشعر فقط بأن هناك إنساناً مدّ له يده.
وهنا ينبغي أن نكون منصفين: لا يجوز تعميم الاتهامات على رجال الدين بسبب جرائم أو شبهات تحيط ببعض الأفراد، كما لا يجوز اعتبار كل فنان أو مشهور مثالاً للخير لمجرد قيامه بالتبرع. في كل فئة الصالح والطالح، والصادق والمخادع. لكن حين تثبت واقعة فساد أو سرقة لأموال الأيتام، فإن الواجب الأخلاقي والقانوني يقتضي المحاسبة، أياً كان الفاعل.
المفارقة الحقيقية ليست بين الفن والدين، بل بين الكلام عن الأخلاق وممارسة الأخلاق. قد يرتدي شخصٌ ثوب الواعظ ويتحدث ساعات عن الفضيلة، لكنه يفشل في اختبار الأمانة. وقد يقف فنان على خشبة المسرح، ثم يخرج منها ليبني مدرسة لطفل حُرم من أبويه.
لا ينبغي أن نحكم على الناس بعناوينهم وحدها: هذا فنان، وذاك رجل دين، وهذا مشهور، وذاك واعظ. فلنترك الأفعال تتحدث. فالرحمة لا تحتاج إلى لقب، والأمانة لا تحتاج إلى عمامة، والفساد لا يصبح فضيلة لأن صاحبه يتحدث باسم الدين.
الأيتام بحاجة إلى من يحمي حقوقهم، لا إلى من يتاجر بمعاناتهم. والفضيلة الحقيقية هي أن يتحول الكلام الجميل إلى فعلٍ جميل.