الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
المحكمة الجنائية الدولية.. إستقلال العدالة والضغوط السياسية

بواسطة azzaman

المحكمة الجنائية الدولية.. إستقلال العدالة والضغوط السياسية

عمر محمد زين

 

منذ إنشاء المحكمة الجنائية الدولية بموجب نظام روما الأساسي عام 1998، عُلِّقت عليها آمال كبيرة لتكون المرجعية القضائية الدولية في ملاحقة مرتكبي جرائم الإبادة الجماعية، والجرائم ضد الإنسانية، وجرائم الحرب، وجريمة العدوان، بعيداً عن الانتقائية السياسية وهيمنة القوى الكبرى. غير أن مسيرة المحكمة كشفت أن العدالة الدولية ما زالت تصطدم، في كثير من الأحيان، بحسابات النفوذ والمصالح الدولية.

لقد برز اسم المدعي العام الحالي السابق للمحكمة، كريم خان، بعد اتخاذه خطوات قانونية جريئة في ملفات شديدة الحساسية، وفي مقدمتها طلب إصدار مذكرات توقيف بحق مسؤولين إسرائيليين إلى جانب مسؤولين من حركة حماس (بشأن الحركة سيكون لنا مقالاً لاحقاً بالخصوص)، استناداً إلى ما اعتبره وجود أسباب معقولة للاعتقاد بارتكاب جرائم تدخل في اختصاص المحكمة. وقبله، واجهت المدعية العامة السابقة فاتو بنسودا ضغوطاً كبيرة عقب مباشرتها التحقيق في الجرائم المرتكبة في أفغانستان، والتي شملت مزاعم تتعلق بمواطنين أمريكيين، وكذلك بعد فتحها التحقيق في الحالة الفلسطينية. ولم يكن مستغرباً أن تواجه هذه الخطوات ردود فعل أمريكية وإسرائيلية حادة، وصلت إلى حد فرض عقوبات وإجراءات ضد مسؤولين في المحكمة، في محاولة واضحة للضغط على المؤسسة القضائية الدولية وثنيها عن متابعة بعض الملفات الحساسة.

نظام اساسي

وهنا يبرز سؤال قانوني جوهري: هل هذه العقوبات والضغوط الأمريكية مشروعة؟

من الناحية القانونية، لا يتضمن نظام روما الأساسي أي نص يجيز لأي دولة فرض عقوبات على المدعي العام أو القضاة أو موظفي المحكمة بسبب ممارستهم اختصاصاتهم القضائية. بل إن النظام الأساسي يؤكد استقلال المحكمة واستقلال قضاتها ومدعيها العام، ويُلزم الدول الأطراف بالتعاون معها، لا بممارسة الضغوط عليها.

أما الولايات المتحدة، فهي ليست دولة طرفاً في نظام روما الأساسي بعد أن سحبت توقيعها عليه، وبالتالي فهي لا تخضع لالتزاماته التعاقدية. غير أن عدم الانضمام إلى النظام لا يمنح أي دولة، من منظور القانون الدولي ومبدأ استقلال القضاء الدولي، حق معاقبة القضاة أو المدعين العامين بسبب قيامهم بمهامهم القضائية. لذلك يرى كثير من فقهاء القانون الدولي أن هذه العقوبات تمثل تدخلاً سياسياً في عمل مؤسسة قضائية دولية، حتى وإن استندت الدولة التي فرضتها إلى تشريعاتها الداخلية.

أما كيفية مواجهة هذه الضغوط، فإن ذلك لا يكون بالشعارات، بل عبر خطوات عملية، أهمها أن تتخذ الدول الأطراف في نظام روما الأساسي موقفاً موحداً في الدفاع عن استقلال المحكمة، وأن ترفض أي إجراءات تستهدف موظفيها بسبب عملهم القضائي، إضافة إلى تعزيز الدعم السياسي والمالي للمحكمة، وتفعيل دور المنظمات الإقليمية والدولية ونقابات المحامين والهيئات الحقوقية للدفاع عن استقلال العدالة الدولية باعتبارها مصلحة مشتركة للمجتمع الدولي بأسره.

ويبقى السؤال الأكثر حساسية: هل تريد الولايات المتحدة ومن يدور في فلكها أن تكون المحكمة الجنائية الدولية خاضعة لتوجيهاتها السياسية؟

إن الوقائع توحي بأن بعض القوى الكبرى تؤيد المحكمة عندما تنسجم قراراتها مع مصالحها، لكنها تعارضها عندما تقترب من محاسبة حلفائها أو مواطنيها. وهذا ما يثير انطباعاً واسعاً بازدواجية المعايير في التعامل مع العدالة الدولية.

ارتكاب جرائم

أما فيما يتعلق بإسرائيل، فإن الانتقادات الموجهة إليها لا تقتصر على مواقف سياسية، بل ترتبط أيضاً بالتحقيقات الجارية أمام المحكمة والاتهامات المتعلقة بارتكاب جرائم تدخل ضمن اختصاصها. وفي المقابل، فإن المبدأ القانوني الصحيح يقتضي أن يخضع جميع المتهمين، أياً كانت جنسياتهم أو انتماءاتهم، للإجراءات القضائية ذاتها، دون حصانة سياسية أو تمييز.

فالعدالة الدولية تفقد قيمتها إذا أصبحت انتقائية، وتفقد هيبتها إذا خضعت لضغوط الدول الكبرى، كما تفقد مشروعيتها إذا استُخدمت ضد الضعفاء وغابت عن الأقوياء.

إن استقلال المحكمة الجنائية الدولية ليس شأناً يخص القضاة أو المدعين العامين وحدهم، بل هو ركيزة من ركائز النظام القانوني الدولي. وإذا سُمح للضغوط السياسية أو العقوبات الاقتصادية أن تحدد من يُحاسَب ومن يُستثنى، فإن العالم لن يكون أمام عدالة دولية، بل أمام عدالة انتقائية تُقاس بموازين القوة لا بمبادئ القانون. ومن هنا، فإن الدفاع عن استقلال المحكمة الجنائية الدولية هو دفاع عن سيادة القانون الدولي، وعن حق الشعوب في أن ترى مرتكبي الجرائم الدولية يمثلون أمام قضاء مستقل، بعيداً عن أي نفوذ سياسي أو ابتزاز اقتصادي، لأن العدالة التي تخضع للضغوط ليست عدالة، والمحكمة التي تُدار بالإملاءات لا تستطيع أن تكون ضمير الإنسانية.

 أمين عام اتحاد المحامين العرب (سابقاً)

 

 

 

 


مشاهدات 39
الكاتب عمر محمد زين
أضيف 2026/08/05 - 3:38 PM
آخر تحديث 2026/08/05 - 11:33 PM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 1181 الشهر 5678 الكلي 16095382
الوقت الآن
الأربعاء 2026/8/5 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير