الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
بعد أن نحرّر العقل.. الذاكرة والإقتصاد السياسي في بناء الدولة

بواسطة azzaman

بعد أن نحرّر العقل.. الذاكرة والإقتصاد السياسي في بناء الدولة

أسامة أبو شعير

 

في مقال سابق تناولت فكرة أن بناء الدولة لا يبدأ بإصلاح القوانين والمؤسسات وحدها، بل بتحرير العقل من الوصاية الفكرية والتلقين والخوف من السؤال؛ لأن المؤسسات لا تكون أفضل من الثقافة التي تديرها. لكن يبقى سؤال لا يقل أهمية: هل يكفي تحرير العقل إذا بقيت الذاكرة الوطنية أسيرة الماضي؟ وهل تستطيع دولة أن تبني مستقبلاً مشتركاً بينما يستمر كل جيل في استدعاء جراح الأمس أو إضافة جراح جديدة إليها؟

فالذاكرة ليست مجرد سجل للأحداث، بل أحد الأصول غير المادية التي تؤثر في الاقتصاد السياسي للدولة. فهي تشكل مستوى الثقة بين المواطنين، وتؤثر في شرعية المؤسسات، وجودة التعليم، والاستثمار، وكفاءة القرار العام. ولذلك فإن إدارة الذاكرة ليست قضية تاريخية أو أخلاقية فحسب، بل قضية تنموية تحدد قدرة الدولة على التعلم من أخطائها أو إعادة إنتاجها.

وتختلف الحالة العراقية عن كثير من تجارب ما بعد الصراع؛ لأن عام 2003 لم يكن انتقالاً من ماضٍ مضطرب إلى حاضر مستقر، بل بداية مرحلة جديدة حملت تحديات أمنية وسياسية واقتصادية عميقة. ولهذا يواجه العراق مستويين متداخلين من الذاكرة: ذاكرة طويلة تشكلت عبر الحروب والاستبداد والعقوبات، وذاكرة قصيرة نشأت من الإرهاب والفساد وضعف الخدمات وتراجع الثقة بالمؤسسات. والمشكلة أن الأولى تُستخدم لتفسير الحاضر، بينما يستمر الحاضر في إنتاج مظالم جديدة ستصبح جزءاً من ذاكرة المستقبل، فتدخل الدولة في حلقة مغلقة يكون فيها الماضي مبرراً للحاضر، والحاضر منتجاً لماضٍ جديد. ولهذا يمكن القول إن الحاضر الضعيف يطيل عمر الذاكرة.

ومن منظور الاقتصاد السياسي، كلما ضعفت قدرة الدولة على تحقيق نتائج ملموسة في التنمية وسيادة القانون، ازدادت الحاجة إلى استدعاء التاريخ بوصفه مصدراً للشرعية أو تفسيراً للإخفاقات. فالشرعية التي تنتجها التنمية أكثر استدامة من الشرعية التي تستند إلى الذاكرة، لأن المواطن يثق بما يراه من إنجاز أكثر مما يسمعه من روايات الماضي.

عقود ماضية

غير أن العراق يواجه معضلة أكثر تعقيداً، تتمثل في أن بعض الفاعلين الذين أسهموا في تشكيل الذاكرة العامة خلال العقود الماضية أصبحوا جزءاً من البنية السياسية والاقتصادية والإعلامية التي تدير الحاضر.

ونتيجة لذلك، لم تعد الذاكرة مجرد رواية تاريخية متنافسة، بل أصبحت مرتبطة بمنظومة من المصالح والحوافز التي قد تستفيد، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، من استمرار الانقسام واستدعاء المظالم.

ومن هنا، فإن أي مشروع وطني لإدارة الذاكرة لا يقتصر على إصلاح المناهج أو إنشاء مؤسسات جديدة، بل يقتضي أيضاً بناء بيئة مؤسسية تجعل الحقيقة أكثر قيمة من الاستقطاب، والمواطنة أكثر تأثيراً من الهويات الفرعية، وسيادة القانون أقوى من منطق القوة. فالسؤال الحقيقي ليس: كيف نؤسس مجلساً وطنياً للذاكرة والعدالة الانتقالية؟ بل: كيف نضمن استقلاله وقدرته على العمل في بيئة تتداخل فيها المصالح السياسية والاقتصادية مع روايات الماضي وصراعات الحاضر؟

وهنا يصبح تحرير الذاكرة مشروعاً سياسياً بقدر ما هو مشروع ثقافي؛ فالمؤسسات لا تستطيع إدارة الذاكرة إذا بقيت عاجزة عن إنتاج العدالة والثقة، كما أن المجتمع لا يستطيع تجاوز ماضيه إذا ظل الحاضر يعيد إنتاج أسباب الانقسام.وتقدم التجربة الألمانية مثالاً مهماً على أن إدارة الذاكرة لا تعني النسيان، بل تحويل الماضي إلى مصدر للتعلم المؤسسي. فبعد الحرب العالمية الثانية، لم تكتفِ ألمانيا بإعادة بناء المدن والاقتصاد، بل أعادت بناء علاقتها بتاريخها من خلال إصلاح التعليم، وحماية الأرشيف، واستقلال القضاء، ودعم البحث العلمي، وترسيخ ثقافة الاعتراف بالمسؤولية. ولم يكن الهدف محو الماضي، بل منع تكراره، وتحويله إلى رصيد أخلاقي ومؤسسي يدعم الثقة بالدولة. والدرس الذي يمكن الاستفادة منه ليس استنساخ التجربة الألمانية، فلكل مجتمع خصوصيته، وإنما إدراك أن المصالحة الحقيقية تحتاج إلى مؤسسات مستقلة، وإرادة سياسية، وثقافة عامة تقبل مراجعة الماضي دون إنكار أو انتقام.

ويبدأ هذا المسار من التعليم؛ فالمناهج لا ينبغي أن تكتفي بسرد الوقائع، بل أن تنمّي التفكير النقدي، واحترام التعددية، وفهم الأحداث في سياقاتها التاريخية والاجتماعية، بعيداً عن اختزالها في رواية واحدة أو هوية واحدة. كما أن إعداد المعلم لا يقل أهمية عن تطوير المناهج، لأن المعلم هو من يحول المعرفة إلى وعي، ويجعل من المدرسة مساحة لبناء المواطنة، لا لإعادة إنتاج الانقسام.

ولا تقل مسؤولية الإعلام عن مسؤولية التعليم. فوسائل الإعلام والمنصات الرقمية أصبحت من أهم صناع الذاكرة في العصر الحديث، إذ تستطيع أن تحول الحدث إلى معرفة عامة، أو إلى أداة للاستقطاب والتعبئة. ولهذا فإن الإعلام المهني لا يقتصر دوره على نقل الأخبار، بل يسهم في بناء ذاكرة وطنية تستند إلى الوقائع الموثقة والحوار المسؤول، بدلاً من تكريس السرديات المتصارعة التي تعيد إنتاج الانقسام.

ارشيف وطني

ومن هنا تبرز الحاجة إلى مجلس وطني مستقل للذاكرة والعدالة الانتقالية يضم مؤرخين، وقانونيين، وتربويين، وخبراء في الأرشفة والعلوم الاجتماعية، وممثلين عن المجتمع المدني.

ولا يهدف هذا المجلس إلى إعادة كتابة التاريخ أو فرض رواية رسمية، بل إلى حماية الأرشيف الوطني، وتوثيق الوقائع، ودعم البحث العلمي، وتشجيع الحوار المجتمعي، بما يضمن أن تبقى الذاكرة ملكاً للوطن، لا أداة في الصراع السياسي.

كما أن العدالة الانتقالية لا ينبغي أن تُختزل في المحاكم أو التعويضات المالية، بل تمتد إلى بناء سردية وطنية تستند إلى الحقيقة، وتحترم الضحايا، وتعترف بالأخطاء، وتمنع تكرارها. فالمصالحة المستدامة لا تتحقق بالنسيان، وإنما بوجود مؤسسات قادرة على تحويل الذاكرة من مصدر للانقسام إلى مصدر للتعلم والإصلاح.

إن تحرير العقل كان الخطوة الأولى، لأن العقل الحر هو الذي يطرح الأسئلة ويكسر قيود الوصاية الفكرية. أما تحرير الذاكرة فهو الخطوة التالية، لأن الذاكرة الناضجة وحدها تستطيع أن تحرر المستقبل من أسر الماضي، وأن تحول التجارب المؤلمة إلى خبرة وطنية تعزز قدرة الدولة على التعلم والتجدد.

فالعقل الحر ينتج المعرفة، والذاكرة الناضجة تنتج الثقة، والثقة تبني المؤسسات، والمؤسسات القوية تصنع التنمية.

ولا تتقدم الأمم لأنها تمتلك أفضل الذكريات، بل لأنها تمتلك القدرة على تحويل الذاكرة إلى معرفة، والمعرفة إلى ثقة، والثقة إلى دولة.

وربما لا يكــــــــــــــون السؤال الأهم أمام العراق هو: كيف نكتب تاريخنا؟

بل: كيف نبني دولة لا يحتاج معها كل جيل إلى إضافة فصل جديد إلى سجل المظالم، بل يضيف فصلاً جديداً إلى ســــــــــجل الإنجاز والتنمية؟

 

 


مشاهدات 45
أضيف 2026/08/01 - 4:31 PM
آخر تحديث 2026/08/02 - 12:10 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 13 الشهر 1217 الكلي 16000922
الوقت الآن
الأحد 2026/8/2 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير