الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
قراءة نقدية متكاملة في قصيدة حينما للشاعر فاضل حمود الحمراني


قراءة نقدية متكاملة في قصيدة حينما للشاعر فاضل حمود الحمراني

محمد صبي الخالدي

 

​حين يتوقف الزمن عند عتبات الانتظار، لا يعود الصمت مجرد غيابٍ للصوت، بل يتجسد حائلاً ثقيلاً يمارس ضغطه الإنساني على الروح؛ ففي هذه الإشراقة النصية لقصيدة "حينما" للشاعر الأستاذ فاضل حمود الحمراني، نجد أنفسنا قبالة مفارقة وجودية سامقة، حيث لا ينتظر الشاعر غائباً يطرق الباب بمفهومه المادي الضيق، بل يمارس عبر البناء الفني لعبة التسامي الذاتي لترميم انكسارات العزلة، مستحضراً الغائب عبر تراكم الأوهام الرمزية، ومحوّلاً الزمان إلى كتلة مرئية تُسحب بقوة التجربة، ليرتقي بـ "المجيء" من حركته الأفقية المألوفة إلى هبوط نوري مفاجئ يخرق سكون الكائن.

​وتتجلى هذه الحالة في مشهدية قصصية مكثفة؛ حيث يجلس الإنسان في زاوية الغرفة المعتمة قبالة الباب المغلق منذ دهور، ولا صوت في المكان سوى فحيح الصمت وهو يتغلغل في أركان الوعي، فيسحب ساعته من يديه ويجرجر الثواني كأنها سلاسل ثقيلة، ثم ينظر إلى ظله الملقى في الكرسي المجاور، ليجمع من المدى حفناتٍ من الوعود الصادقة في بعدها الإبداعي، ويصفّها في مخيلته بيتاً بيتاً، مبتسماً في سرّه ومبتعثاً الأمل نحو السقف المنتظر، يقهاً بأن من سيجيء لن يطرق الباب الترابي، بل سيهبط كمعجزة ساطعة من عمق السماء.

​وقد أراد الشاعر فاضل حمود الحمراني في مستهل نصه أن يفتتح بـ (حينما..) موقوفة بالنقاط المتتابعة ليعلق الزمن في نقطة سكون مفتوحة، حيث جاءت (حين) ظرف زمان منصوباً و(ما) كافة لتوكيد الظرفية ليضع التلقي في أفق شرطي غير جازم يعكس حبس الأنفاس. ثم يرتفع البناء البلاغي في قوله (يشاغلني صرير الصمت)، إذ ينبري الفعل المضارع (يشاغل) على وزن (يُفَاعِل) ليدل على المغالبة والاستمرار، متوّجاً بإسناد مجازي بديع يمنح الصمت فاعليّة مادية وصوتاً حاداً (صرير) يرفع من درجة التكثيف الوجداني، ليتقدم الفاعل المؤخر (صريرُ) مضافاً إلى (الصمتِ). وتتخلق في هذا المفصل طاقة حرف الصاد الجفرية في (صرير، الصمت) بوصفه حرف الصبر والصلابة والكتمان، حيث يمثل صرير الصمت اصطدام طاقة الصبر الحبيسة بجدران الواقع.

​ثم يواصل الشاعر تعميق هذه التجربة بقوله (أحاول أقناع أخيلتي)، حيث استخدم الفعل المضارع (أحاول) متبوعاً بالمفعول به (إقناع)، معبراً بصيغة جمع التكسير للقلة (أخيلة) على وزن (أَفْعِلَة) ليدل على تركيز المساحة الذهنية في نطاق رمزي مكثف لتهدئة روع الذات. وينتقل بعد ذلك إلى قوله (هناك من سيطرق الأبواب / وأنا أجرجر الوقت مرغماً)، حيث تتصل سين الاستقبال بالفعل (يطرق) لتبني أملاً آتياً يتوازى مع الجملة الحالية (وأنا أجرجر) التي تُجسد الوقت كائناً ثقيلاً يُسحب بحركة الرباعي المضعف (جرجر)، محمولاً على اسم المفعول (مرغماً). وهنا تتجلى طاقة حرف الجيم الجفرية في (أجرجر، جانباً، بجانبي) بوصفه حرف الجَذب والأرض والجَبْر، لتجسد حركة التعاثر الأرضي والوزن الزمني الذي يحاول الشاعر الانفكاك منه.

​ويرتقي النص إلى نقطة شاهقة من التجريد الروحي في قوله (ركنت ظلي والانتظار جانبا / وأكوام من الأكاذيب أصفها بجانبي)، حيث أنسن الشاعر "الظل" و"الانتظار" كمعطوفين منصوبين وجعلهما في جانب الذات، واستخدم لفظ (أكوام) المضاف إلى (الأكاذيب) بصيغة منتهى الجموع ليجسد الأوهام النفسية كدروع مادية يُعاد رصفها يدوياً لحماية كينونته من الفناء. وتصل المأساة الفلسفية والجمالية ذروتها السامقة في القفلة (وكأني مصدقا أن المجيء سيهبط فجأة..)، حيث تتألق شعرية الانزياح الحركي في تحويل "المجيء" عبر المصدر المؤول من أنَّ واسمها وخبرها الناصع (أن المجيء سيهبط) من حركة أفقية مألوفة عبر الأبواب إلى حركة هبوط رأسية مباغتة محذوفة بالحالية (فجأة). وفي هذا الهبوط تكمن الشفرة الجفرية العليا؛ إذ يتجاوز المجيء معناه المادي ليعبر عن طاقة "الفيض والإشراق والتنزل النوراني" الذي ينزل من الأعلى ليرتق ما تهدم من الروح، لتلتقي اللغة النحوية، والرمزية الجفرية، والعمق الفلسفي الوجودي في مصب نقدي واحد يبرز كفاح الذات الشاعرة وهي تصنع من ركام الوهم جسراً يربط قاع الأرض بسماء الخلاص.

​نص قصيدة "حينما" للشاعر فاضل حمود الحمراني:

​حينما..

يشاغلني صرير الصمت

أحاول أقناع أخيلتي

هناك من سيطرق الأبواب

وأنا أجرجر الوقت مرغما

ركنت ظلي والانتظار جانبا

وأكوام من الأكاذيب أصفها بجانبي

وكأني مصدقا أن المجيء سيهبط فجأة..


مشاهدات 32
الكاتب محمد صبي الخالدي
أضيف 2026/09/21 - 2:14 PM
آخر تحديث 2026/09/22 - 1:05 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 136 الشهر 36717 الكلي 16569237
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/9/22 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير