الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
المجتمع .. شظف العيش وعجز الفضيلة

بواسطة azzaman

المجتمع .. شظف العيش وعجز الفضيلة

مزهر الخفاجي

 

ظلت متوالية الصراع بين الفضيلة واخواتها في منظومة القيم الأخلاقية محطَ جدل وذلك في قدرتها على احداث التغيير او النهوض بعوامل الأصلاح ..وكانت مدن الفضيلة نماذج قدمتها دولة الميثولوجية في قصص الخليقة والفضيلة من ( اوتانابشتم مروراً بجمهورية افلاطون ) رغم انها ظلت محط تندرٌ في شوارع اثينا حتى شارع (مريدي) ..وصار الفكر الراديكالي السياسي والاجتماعي المعاصر يميلُ الى تحريض جموع الفقراء الى الثورة ، او التمرد لأنهما العتبة الاولى في مسار التغيير وصولاً الى النهضة ..

... وحول هذا الموضوع يقول الروائي الكبير دستوفسكي:   

- ( يا سادتي سيصل العالم الى زمن... يمنع فيه الاذكياء من التفكير.. حتى لا يسيئوا الى

 مقامات الحمقى، وهذا يعتمد اذا قدر لك ان  تكون انساناً في زمن الرأسمالية...سيكلفك هذا الامر

الكثير والكثير في وسط الذئاب.. حتى يصبح الانسان وسط البشريين/ البراغماتيين .. يخاف قول الحق).

هذه المقدمة  نتوافق مع  فهم المفكر (انطونيوكرامشي)  والذي يذكرُ من ان الانسانيون /الفقراء الواعون  هؤلاء  المتسلحون بالوعي و المعتدون بمنظومة القيم .. يبذلون قصارى جهدهم ويمارسون الحث والحوار من اجل ان تحترمهم صفوة  الممسكون بالسلطة / الرأسماليون الطارئون والمتخمون بالمال الحرام.

 لان هؤلاء المتبجحون برأسمالية افكارهم... يحترمون من يعنفهم ويمجدون الخبيث.. ويسمونه بالشاطر الذكي ويحرقون الذكي الواعي الفقير المتواضع.. حتى لو كان يمتلك كنوز الحكمة والحقيقة.

     ولان البشريون الانتهازيون الطارئون على السلطة في زمن المجتمعات الرأسمالية أو اللاوطنية... يستهلكون ولا يفكرون بمألات الظلم والحيف ... ومقارنة كرامشي هذه تتطابق مع طروحات ( كارل ماركس) في تسلل البشريون الرأسماليون على السلطة فيقول:

سلعة تباع وتشترى

- ما أن يُمسك هؤلاء البشريون بالسلطة حتى تتحول الاخلاق والمعتقدات الدينية والمسائل الاعتبارية ومنظومة القيم  الى سلعة تباع وتشترى في سوق النخاسة السياسية.

هذا الامر يجعلنا نقتفي اثر (الانسانيون) الواعون الوطنيون ، والذين يعتقدون انهم صالحون بمجرد امتلاكهم للاخلاق او اقتفائهم اثر الفضيلة،ان مبررات ومقدمات استحواذ البشريون ، المتسلطون ومقدمات الانسانيون الوطنيون الفقراء الواعون هي التي جعلت الكثير من الباحثين يراقبون اداء كل من الفصيلين ودورهما في الأخذ بيد مجتمعاتهم نحو النهضة  إذ ان كثير من علماء الاجتماع يؤكدون في طروحاتهم للنهضة الانسانية مقابل طمع وجشع البشريون الرأسماليون.

 إذ يرى هؤلاء الذين نستهدفهم في مقالنا، من ان الصلاح الحقيقي ليس وليد العجز... بل هو امراً متجلياً لقدرة مكتملة على الفعل والاقناع، لان هؤلاء الضعفاء الفقراء الواعون الذين يعتقدون انهم صالحون لكنهم لا يملكون مخالب على رأي الفيلسوف نيتشه:

- عالقون في وهم الفضيلة مستبدلون للارادة الحرّة بالخضوع... والقوة والارادة بفعل   التغيير بالاستكانة.

      ان هولاء الفقراء الواعون الوطنيون يدّعون ( الفضيلة)، ويخفون عجزهم عن المواجهة، ونقصد مواجهة الظلم والاستبداد والقهر وكثيراً مايؤجلون الوثوب بالثورة او التمرد الى حين .. وهذا الحين قد يدوس على احلام ابنائهم لذلك على هولاء الفقراء الوطنيون ان لايتماهوا  مع منظومة القيم و الاخلاق فيتحوّل فعل الخير الواجب حضوره في افعالهم انعكاساً للضعف وليس خياراً حرّاً ينبع من ارادة واعية ومتمكنة ومكتملة في ذاتها.

 والرأي عند الكثير من علماء الاجتماع ان مساحة القلق في اختيار لحظة التغيير ومبررات التأجيل في الأمساك بحلم الثورة ،  يرفضون ان يَسود منطق الاخلاق التقليدي الذي ييمجد الضعف، ويعترضون على منطق التمرد والرفض التي هي سمة بشرية  تاريخية تتوافق مع حركة النهوض التي هي سُنَّة بشرية ترفض منطق الضعف والخضوع والقهر.

      حتى وان تقاطعت مع السكينة والصلاح التي لم تعد بضاعة لهذا العصر..ولايمكنها ان تُغني او تسمن من جوع وفي عصر ينمو نحو الحرية لمواجهة حجم التحديات التي تواجه شعوبها  ويعجل في مسارات التغيير، هذا المنطق في اعلاء صوت الحق. والتخلي عن الفضيلة ومنظومة القيم السالبة للحرية  تحت طائلة الخوف التي تركن للضعف والخضوع بحجة الفضيلة.

 والتي تمنع.. الفقراء الواعون الخلوقون من ان يساهموا في رسم ملامح التغيير في نسق منظوماتهم السياسية السائدة..ويقودون بوعي المطالب بحقه ويتبنون مطالب فقراء شعبهم في توفير ابسط مستلزمات الحياة الكريمة والمساهمة في تشكيل ورسم سياسات العدل النسبي في مجتمعاتهم…ووفق هذا المنطق ينسج لنا الفيلسوف ( سنج سو) في كتابه فن الحرب:

- عليك تجنب الحرب ما استطعت، ولكن اياك ان تتراجع شبراً عن حقك.. إذا ابتدأ القتال.

فهو يذكرنا في كتابه،  وهو يوصي الانسانيون الواعون الوطنيون  المطالبون برفض الظلم فيقول:

- علينا ان نعرف متى نترك الريح تَمُّرْ دون ان نرفع السيف في وجهها. وان اتقاء الشر..

  ليس ضعفاً.. بل شكل من اشكال السيادة على الذات..

    وهو بهذا الوصف يطالب الثوار التمسك بالصبر مع الحفاظ على اولوية الحلم.. لانها سبباً في البقاء.. فيقول:

- الحرية تبدأ حينما يصبح غذاءك في متناول يدك.. وامنك مستساغ وحقك في العيش لاتهاون فيه ..وحين تتخذ قراراتك بنفسك.. ويخرج صوتك صادقاً منك وحدك بلا وصاية ولا تبعية. فان اردت ان تكون سيد نفسك فاتخذ قرارك، فامتلك رغيفك / مثلما تمتلك او تحافظ على منظومة قيمك واخلاقك وفضيلتك. لان الفقر ليس فقط حرماناً.. من المال.. بل سلب للأرادة الحره، وحين تمتلك ارادتك وحريتك ستتمكن من ان تُعلي صوتك وتقرر حينها خوض معاركك السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية طمعاً في التغيير لا طنعاً في تدوير الظلم وتكرار الفشل .

      هنا يمكننا ان نحذر من ان البشريون الممسكون بالسلطة والطامعون بها ..يسعون جاهدين في ان يحولوا  الديمقراطية من تعبير لحرية الفرد واداة للغير  ومطلباً للشعوب التواقة للحرية الى سلعة في سوق رأسمالية سياسية فاسدة.. واولائي البشريون المتسلطون سوف لن يميزوا بين السلطة والقوة والوطن والوطنية وسيسهل للممسكون بالسلطة وزبائنيتهم من تمرير اكاذيبهم والتي ستصف حق رفض الظلم كمؤامرة وللشعوب الطامحة للتغيير بتخويفهم من الفوضى وتهدد الفقراء الواعون بمصادر رزقهم وستتهم اي حراكاً وطنياً شعبي المطالب بتغيير النخب الجاثمة على صدورهم من انه سيزعزعُ وحدة الصف ويؤسس للدخلاء في ان يتسيدوا مشهدهم السياسي البالي  .

 وادعاء البعض من الممسكين بالسلطة ان اي حراك  شعبي وطني لاعادة الحقوق سيودي الى حدوث شرخاً  قبائليا مناطقيا سيأخذ بيد مجتمعنا الى الضعف والتفرد وتفكك قيم الخير التي كانت عنواناً من عناوين تماسك نسيجه الاجتماعي. بدعوى الخروج على مبادئ الدين واخلاق العشيرة وفضائل الطاعة.

وعلينا ان نُثبت هنا مخاوف عديدة على مثل هذه الانواع المشككة بحرية التغير وتسفيه مطالب مجتمعاتنا الخوف في ان تنطلي اكاذيب الداعون الى امن العباد والمحذرين من تيه ايمانهم اولائي المتخادمين مع الممسكين بالسلطة من الذين يعتلون منابر بعض الجوامع ومقاعد الدراسة ومراكز التفكير و في ان تتحول هذه الفعاليات الدينية والاجتماعية الى تدعيم الجهل المقدس والمؤسس ليشترك المساران في تثبيط عزائم الواعون والوطنيون والفقراء والمثقفون المتطلعون لحياة /مجتمع /دولة تحترم الحقوق  تحت فرية التطاول على المقدس الديني.

وتتحول قيم الاحترام والطاعة والتقدير الى سلاحاً بيد المدعين بالفضيلة والمدافعون عنها  ، ان استشراء الغباء والتسلط والخنوع في عقول الواعون الوطنيون الفقراء  سيساهم في تأخر المجتمع وفشل الدولة..  تتحول الدولة والممسكين بها الى آلة تخدم فئة متسلطة لا شعباً كاملاً.

منظومة القيم

 فتنهار القداسة التي بني عليها معنى التضحية للوطن الذي رسخته منظومة القيم ( الاخلاق، الدين، والقوانين). فالوطن إذا تحوّل الى شركة خاصة تقتسم ارباحها النخب.. وتترك الخسارة نصيباً لجموع الشعب.

 فلا يبقى امام الفرد- الجميع / الا ان يحتمي بمصلحته الخاصة كغريزة نجاة اخيرة وسط خراب مؤسس؟. هنا لا ينهار الايمان بالوطن عند جموع الفقراء فحسب، بل تنهار الفكرة ( المواطنة والوطنية) نفسها؟؟ من جذورها.

لان.. الوطن ليس مجرد ارضاً تُحكم.. بل عَقداً اخلاقياً واجتماعباً بدئياً، فإذا انكسر هذا العقد... لم يعُد هناك وطن.. بل مسرحاً.. تُدار فيه لعبة السلطة بإسم الوطن لا الأمّة، وهي غائبة!!. نعم. لا رفاهية للمبادىء ولا وجود للفضيلة... عندما يحاصر الجوع بطون الفقراء.. او عندما يشيع القهر والظلم.

أيها السادة:

هل يحتاج التغيير الى معجزة  أم الى خطوة جريئة؟

فلا يجوز ان نتألم ونبقى.. وان نتألم ونبتسم.. والحياة نفس هذه الحياة التي عاش عليها الخيرون  والاشرار والشطّار والعيارون.. الشرفاء والفاسدون ، الحمقى والمؤمنون .

 نعم.. الفضيلة الاخلاق الدين الصبر قد تمنح الافراد والمجتمعات والشعوب...  الى ان يتحملون الآلام بصمت.. ولا تهتم كثيراً بالمكان الخطأ بإسم التحمّل أو الأدب أو الصبر أو منطق العيب والتقاليد، فكل شيء قابل للتغيير والتبديل.

كــــــــ: الاماكن... الوجوه... الافكار... النُظم... القوانين.... الطغاة... المستبدون... اليائسون... حتى الراكبون خطأ للسلطة بإسم الحرية، لأن الركود في مستنقع الخوف والتردد والعيب يؤدي الى تضائل حدود العدل وغياب الحرية  هو مقدمة لانقراض بطيء  للمبادئ والاوطان ، لذلك يجب ان نعيد قراءة مقدماتنا السياسية والتي تقول الكثير من ادبياتها :

لا قداسة لحيزٍ يخنقك، ولا لجماعة أو سلطة تسحبنا نحو البلادة او التأخر عن رَكبْ التغيير، ولا لفكرة تحولّت الى قيدْ وإن الشعوب المقهورة، وأن ادمنت ثنائية الحب والحزن لكنها يجب ان ترفع راية الفعل... لا الصبر السلبي.

ذلك لان التغيير لا يحتاج الى معجزة بل الى ارادة فعل ويقين ثابت بحق الناس في العيش الكريم .. ولانها من بواكير فعل الخير ستباركها السماء بلا فضائل الممسكون بنا والطارئون علينا وبلا خوف يحيطُ بمقادير مجتمعاتنا واوطاننا الكالحة الوجوه.. لان ناموس التغيير جوهرة تكمن في التطلع للحق والعدل والخير، التي باركتها الله ودافعت عنها كل قيم الفضيلة من أدم الى افلاطون ومن محمد الى عيسى وموسى (عليهم السلام )؟؟؟.

 


مشاهدات 28
الكاتب مزهر الخفاجي
أضيف 2026/08/01 - 12:06 AM
آخر تحديث 2026/08/01 - 1:19 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 64 الشهر 64 الكلي 15999769
الوقت الآن
السبت 2026/8/1 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير