حين تتبدل القيم.. من يصنع الوعي في المجتمع؟
جلال فارس الجبوري
لم يعد الحديث عن تغير القيم في المجتمع العراقي مجرد انطباع اجتماعي أو حنين إلى الماضي، بل أصبح قضية سياسية وثقافية وأمنية تستحق الوقوف عندها بجدية. فالمجتمعات لا تُقاس فقط بمستوى دخلها أو تطورها العمراني، وإنما بمنظومتها القيمية التي تضبط السلوك العام وتحافظ على الهوية الوطنية. وحين تتعرض هذه المنظومة إلى اهتزاز مستمر، فإن الدولة نفسها تصبح أمام تحدٍ يتجاوز الاقتصاد والسياسة ليصل إلى جوهر الاستقرار المجتمعي.
فئات عمرية
لقد دخل العراق العصر الرقمي بصورة متسارعة، وأصبحت مواقع التواصل الاجتماعي جزءًا من الحياة اليومية لمختلف الفئات العمرية. إلا أن هذه المنصات، التي كان يُفترض أن تكون أدوات للمعرفة والتقارب، تحولت في كثير من الأحيان إلى ساحات مفتوحة لنشر الشائعات، وصناعة الكراهية، وتضخيم الانقسامات، والترويج لثقافة الشهرة الفارغة، حتى أصبح عدد كبير من الشباب يقيس النجاح بعدد المتابعين لا بحجم الإنجاز، ويقيس المكانة الاجتماعية بانتشار المحتوى لا بقيمته.
إن أخطر ما أفرزته البيئة الرقمية ليس اختلاف الآراء، فهذا أمر طبيعي في كل المجتمعات، وإنما صناعة واقع افتراضي يسبق الواقع الحقيقي ويؤثر فيه. فخبرٌ كاذب قد يثير أزمة سياسية، ومقطعٌ مجتزأ قد يشعل نزاعًا اجتماعيًا، وحملةٌ إلكترونية منظمة قد تغيّر اتجاهات الرأي العام خلال ساعات. وهنا يصبح الأمن الفكري جزءًا لا يتجزأ من الأمن الوطني.
ولا يمكن تحميل مواقع التواصل الاجتماعي وحدها مسؤولية هذا التحول، فهي مجرد أدوات، أما طريقة استخدامها فهي انعكاس لمستوى الوعي المجتمعي ولقدرة المؤسسات على إدارة الفضاء الرقمي. فحين تغيب التربية الإعلامية، ويتراجع دور الأسرة، وتضعف المؤسسات الثقافية، يصبح الفرد أكثر قابلية للتأثر بالمحتوى الموجَّه، وأكثر استعدادًا لتبني الأفكار المتطرفة أو السلوكيات الدخيلة على المجتمع.
ومن هنا تبرز مسؤولية المنظومة الحكومية بوصفها المسؤول الأول عن بناء البيئة التي تحمي المجتمع.
فالحكومة ليست مطالبة بفرض القيود على حرية التعبير، بل بإيجاد سياسة إعلامية وطنية تقوم على نشر الوعي، وتعزيز التفكير النقدي، ومواجهة الأخبار المضللة بالمعلومة الدقيقة والشفافية.
كما أن إدخال التربية الرقمية ضمن المناهج الدراسية لم يعد خيارًا، بل أصبح ضرورة وطنية لإعداد جيل يمتلك القدرة على التمييز بين الحقيقة والدعاية، وبين الرأي والمعلومة.
وفي الوقت نفسه، ينبغي للمؤسسات الحكومية أن تدعم الإنتاج الثقافي والإعلامي الهادف، لأن الفراغ الإعلامي لا يبقى فارغًا؛ بل تملؤه الخطابات الشعبوية والمحتويات الهابطة التي تستثمر في الغرائز والانفعالات. فالمعركة اليوم لم تعد على الأرض فقط، وإنما على شاشة الهاتف التي يحملها كل مواطن.
أما القيادات الاجتماعية، من شيوخ العشائر، ورجال الدين، والأكاديميين، والمثقفين، والنخب الفكرية، فإن دورها لا يقل أهمية عن دور الدولة. فهذه القيادات تمتلك رصيدًا من الثقة والتأثير، ويمكنها إعادة الاعتبار للقيم العراقية الأصيلة القائمة على التسامح، واحترام القانون، والتكافل الاجتماعي، وقبول التنوع، ونبذ خطاب الكراهية.
إن المجتمع الذي يفقد قدوته يصبح أكثر عرضة لتقليد النماذج السطحية التي تصنعها المنصات الرقمية.
كما أن الجامعات العراقية مطالبة اليوم بأن تتحول إلى مراكز لإنتاج الوعي، لا إلى مؤسسات تمنح الشهادات فقط. فالبحث العلمي، والندوات الفكرية، والحوارات المجتمعية، كلها أدوات قادرة على تحصين الشباب من التضليل الإعلامي، وإعادة بناء العلاقة بين المعرفة والمسؤولية الوطنية.
مؤسسات دينية
إن استعادة القيم لا تتحقق بالشعارات، ولا بالحنين إلى الماضي، وإنما ببناء مشروع وطني متكامل تشترك فيه الدولة والأسرة والمدرسة والجامعة والإعلام والمؤسسات الدينية والثقافية. فالقيم ليست نصوصًا تُكتب، بل سلوكًا يُمارس، وثقافةً تُغرس، وقدوةً تُجسدها المؤسسات قبل الأفراد.
لقد أثبتت التجارب أن الدول التي نجحت في حماية هويتها لم تمنع التكنولوجيا، وإنما أحسنت إدارتها، ولم تواجه الأفكار بالمنع، بل بالمنافسة الفكرية والإقناع.
والعراق يمتلك من التاريخ والحضارة والإرث الثقافي ما يؤهله لبناء نموذج رقمي يعزز الانتماء الوطني بدل أن يضعفه، ويجعل من وسائل التواصل الاجتماعي منابر للوعي والإبداع، لا أدوات لتفكيك المجتمع.
وفي النهاية، تبقى الحقيقة الأهم أن معركة العراق المقبلة ليست معركة موارد أو حدود فحسب، بل هي معركة وعي. فإذا انتصر الوعي، استعادت القيم مكانتها، واستعادت الدولة قوتها، وأصبح الاختلاف مصدرًا للإثراء لا سببًا للانقسام.
أما إذا تُرك الفضاء الرقمي بلا بوصلة أخلاقية أو مشروع وطني جامع، فإن الخسارة لن تكون في شاشة هاتف، بل في هوية وطن بأكمله