نقطة ضوء
الإعلام والسلطة..مَن يحاسب مَن؟
محمد صاحب سلطان
دائماً ما تدفعني وقائع الإثارة التي تقدم عليها بعض وسائل الإعلام التقليدي، أو منصات التواصل والمدونات وشبكات الصحافة الإستقصائية، على تناول موضوع (الإعلام والسلطة)، بكافة توصيفاتها وتنوع مفرداتها ونفوذها المجتمعي والسياسي والمالي، وقاسمهما المشترك (الفساد) الذي دخل حيز التنفيذ والمشاركة، مُذ إكتشاف المتضادين لإهمية الآخر في إستمراره وتطوره، وكلاهما يتناولان التلميع والتقليع في آن واحد،سواء أكان في التصادم أو التناغم الذي سرعان ما يتبدل، لإنهم يعرفون تلك العلاقة أشبه ما تكون بثمرة قثاء معوجة لا مجال لتعديلها إلا بكسرها!، ومن هنا تتكاثر جراحات الطرف الأضعف والفاقد لسلطته الإجرائية من دون سلطته الإعتبارية، فيتضرر الإعلاميون بخسائر جزئية ولو إلى حين، ولا أريد في هذا المقال التوسع في الحديث، عن أهمية الإعلام وما يتركه من أثر التلقي في النفس البشرية، بفضل الإكتشافات التي سخرها الإنسان لذاته لكي يتصل أسرع وأفضل، حتى أضحى الوجه الآخر للتعبير عن الحياة، مما أوجد حاجة ماسة إلى التعرف والتقصي عن كيفية الفعل الإنساني وتأثره بالإستجابة، وعن تأثير الإعلام في البيئات المجتمعية..
وقد لا آتي بجديد عند التطرق إلى تأثير الإعلام في حياة الإنسان، وترتيب أولوياته وأهتماماته، حتى أصبح فناً مهارياً يتطلب الدقة العالية والتخطيط الممنهج، في كيف يكون الإعلام، تكون أجندته وتوجهات أصحابه، ولا سيما جهات السلطة الفاعلة التي تمتلك زمام الإمور وطريقة قيادته على وفق ما تريد تلك السلطة (قوى مجتمعية متنفذة، وهيئات ومنظمات وأجهزة حكومية) تعمل وفق توجه تلك السلطات وما تريد تحقيقه من أهداف ومهام ومصالح، والتي تصاغ عبر وسائل تغلف بأطر ذات شحنات عاطفية ووجدانية في غالب الأحيان، وما تتركه من أثر سلبي أو إيجابي لدا المتلقين، وما تنتجه من إفرازات في التعليم والثقافة والمعرفة وفي السلوك المجتمعي العام، وفي كيفية تعامل الناس لبعضهم البعض، سواء في التلاحم أو التناحر، التقارب أو التقاطع، وما تزرعه من قيم نبيلة أو منحرفة، وأخطر تلك الأساليب عندما تختلط مفاهيم الإعلام كوسيلة بمفاهيم الدعاية كمضمون، فتتحول الرسائل الإعلامية إلى أجندات دعائية رخيصة، هدفها في غالب الأحيان، التفتيت والتشتيت وزرع الحقد والكراهية، من خلال تنمية الأفكار المتطرفة على حساب قيم التسامح والتآخي.. وأخطر تلك المجسات عندما تكون وسائل الإعلام بيد سلطات نافذة لا تفكر سوى بمصالحها الضيقة والآنية من دون التفكير بمصالح الجمهور، التي يفترض أن تتولى رعايته والسهر على متطلباته، بيد إني سبق وأن تناولت تلك العلاقة معتمداً على وقائع جرت رحاها في أكثر من بقعة في المعمورة، متسائلا وبألم عن أسباب ذهاب المعايير الأخلاقية والسلوكية المهنية التي يفترض أن يتحلى بها الإعلام وأدواته البشرية، لا على الشجاعة الإعلامية وحدها، بل على وعي شعبي ، يحمي المكاشفة ويحولها من سبق إعلامي إلى مسار حقيقي للمحاسبة، أما إذا إصطدم الإعلام بالسلطة في ملفات كشف الحساب، فيكون أمام معركة إستنزاف وتدافع لا تخرج نتائجها عادة عن الإنغمار في أذى المجتمع، الذي يعد الخاسر الأول في حال عدم إحقاق الحق وإسناد أدواته في البيئات الأكثر هشاشة، والتي تتشابك عندها ملفات الفساد مع جماعات النفوذ المالي والسياسي، والتي تتجه ردودها نحو محاصرة الإعلام بشتى الأساليب، أو تحقيق إصلاح ومحاسبة في بيئات تسودها إستقلالية القضاء والقرار الوطني وهذا ما يتمناه كل منصف.. أما الإعلام المتلون وأدواته، التي ترقص على كل الحبال بحسب المصلحة، فهم دائماً مع من غلب!، مثل رقاص ساعة،وأشبه بمن يأكل مع الذئب ويصيح مع الراعي؟، وينطبق عليهم المثل الشعبي (يمشي مع الريح وين ما دارت)، وهم (طبل تحت الطلب) للتهليل والتزلف ومسح الأكتاف، هؤلاء بالتأكيد ليسوا من الإعلام في شئ !، اللهم سترك.