الإستدامة ومنع التعليم
صلاح الدين الجنابي
نصّ دستور جمهورية العراق على أن: “التعليم عاملٌ أساس لتقدم المجتمع، وهو حق تكفله الدولة.” وانطلاقًا من هذا المبدأ الدستوري، يُعدّ التعليم حقًا أصيلًا للفرد، كما يمثل مسؤولية أخلاقية ووطنية تقع على عاتق المؤسسات التعليمية تجاه المجتمع. وقد تطور نظام التعليم الجامعي المسائي خلال الثورة الصناعية استجابةً للحاجة إلى إتاحة فرص التعليم للعاملين نهارًا، ولمن تعذّر عليهم الالتحاق بالدراسة الصباحية، بما في ذلك شريحة واسعة من البالغين. ومنذ ذلك الحين، أصبح التعليم المسائي أحد أهم أدوات نقل المعرفة وإنتاجها، وأسهم بفاعلية في تنمية رأس المال البشري، وتحريك عجلة الاقتصاد، ورفع الإنتاجية، وتعزيز القدرة التنافسية للمجتمعات. كما أدى هذا النظام دورًا محوريًا في رفد مؤسسات الدولة والقطاع الخاص بالكوادر المؤهلة، وتمكين الأفراد من تطوير معارفهم ومهاراتهم بما يواكب التطور العلمي والتكنولوجي المتسارع، وهو ما ينسجم مع الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة، الذي يدعو إلى ضمان التعليم الجيد والشامل، وتعزيز فرص التعلم مدى الحياة، بوصفه ركيزةً لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
ومن هنا يبرز تساؤل مشروع: هل يصح أن يُمنع موظف الخدمة العامة من الالتحاق بالدراسة المسائية؟ وعلى أي أساس علمي أو قانوني استند هذا المنع؟ ومن هو الخبير أو المستشار الذي أوصى به؟ وأين ينسجم هذا القرار مع الحق في التعليم والتطور المهني؟ وما هي المخالفة القانونية إذا كانت الدراسة المسائية لا تتعارض مع واجبات الوظيفة، ولا تؤثر في أداء الموظف، ولا سيما إذا كان الموظف غير مكلف بدرجة وظيفية خاصة أو بمنصب قيادي؟ وهل من العدل إخضاع جميع الموظفين لقيود واحدة، على الرغم من اختلاف مستوياتهم الوظيفية وحجم مسؤولياتهم؟ إن هذه الأسئلة تستحق إجابات واضحة ومعللة، لأن تقييد فرص التعليم لا يمس الفرد وحده، بل ينعكس أيضًا على المجتمع ومؤسسات الدولة والاقتصاد الوطني. فالتعليم ليس امتيازًا يُمنح لفئة دون أخرى، بل هو استثمار في الإنسان، وكل قرار يحد من فرصه ينبغي أن يستند إلى مبررات علمية وقانونية راسخة، وأن يوازن بين متطلبات الوظيفة والحق في التعلم. إن مراجعة مثل هذا القرار ليست دفاعًا عن فئة معينة، وإنما هي دفاع عن مبدأ دستوري وإنساني، وعن حق المجتمع في تنمية موارده البشرية. فالتنمية المستدامة لا تتحقق بتقييد فرص التعلم، بل بتوسيعها، ولا يُبنى مجتمع المعرفة بمنع التعليم، وإنما بتمكين الإنسان من اكتساب العلم وتطوير مهاراته بما يخدم الدولة والمجتمع معًا. فإذا كان التعليم هو أساس تقدم المجتمع، كما نص الدستور، فإن أي قرار يحد من فرص التعلم يستوجب مراجعة دقيقة، لأنه لا يمس حق الفرد فحسب، بل يمس مستقبل المجتمع والدولة وقدرتهما على تحقيق التنمية المستدامة.