الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الدستور ومناورات السلاح.. قراءة في وثيقة اللادولة

بواسطة azzaman

الدستور ومناورات السلاح.. قراءة في وثيقة اللادولة

أحمد فاتح محمد

 

حين ننظر إلى الواقع السياسي العراقي الراهن فإننا لا نقف أمام مجرد أزمة أمنية عابرة أو خلاف تقليدي على موازين القوة بين نخب المنطقة الخضراء بل إننا نواجه، وبعمق زلزالاً يضرب فكرة الدولة الوطنية في صميم بنيتها الدستورية والجيوسياسية. إن العراق يجد نفسه اليوم مدفوعاً إلى حافة سحيقة تلتهم قواه الحيوية، مسدداً ما يمكن أن نسميه فاتورة اللادولة وهي كلفة باهظة تُخصم مباشرة من رصيد سيادته وجغرافيته التاريخية التي تحولت بفعل السلاح الموازي من جسر استراتيجي للتكامل الاقتصادي الإقليمي إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الدولية بالوكالة. إن المنطق الجيوسياسي كما تعلمناه من حقائق التاريخ والموقع، يربط هيبة الدولة بقدرتها المطلقة على حماية شراكاتها الدولية المصيرية لضمان نموها ومستقبل أجيالها. وهنا يتبدى لنا مشروع «طريق التنمية الاستراتيجي» كاختبار حقيقي للإرادة الوطنية الحرة، بيد أن هذا المشروع الطموح يصطدم اصطداماً مروعاً بغياب «احتكار القوة والعنف الشرعي». ومع اقتراب المهل السياسية لحسم الملف، خرجت علينا «الشروط العشرة» التي صاغتها كتائب سيد الشهداء بقيادة أبو آلاء الولائي، لتقلب الطاولة وتنقل الصراع من دائرة القانون المحلي إلى فضاء المناورات الإقليمية الكبرى.

سنوات طويلة

البيان المذكور لم يكن مجرد وثيقة فصائلية عابرة، بل كان تجسيداً صارخاً لمحاولة  ادامة الواقع القانوني وفرض واقع جيوسياسي موازٍ حيث رُبط نزع السلاح بسلسلة إملاءات تقع فوق طاقة الدولة المتاحة. من اشتراط الإخراج الشامل للقوات الأجنبية، وتحرير القرار المالي، وصولاً إلى إعادة هندسة السيطرة على حدود إقليم كردستان. إن هذه الشروط في جوهرها التحليلي، ليست إلا أداة تكتيكية للمماطلة وتمديد عمر «اللادولة» لسنوات طويلة، مما يبعث برسائل قلق عميقة لأسواق المال العالمية، ويؤكد تشرذم مركز القرار الأمني والاستراتيجي في البلاد ويفقدها الموثوقية التنموية. وهنا تتبدى الفجوة الدستورية الفاضحة إذ تقف المادة (9) من الدستور العراقي، بنصها القاطع الذي يحظر تشكيل أي ميليشيات عسكرية خارج إطار القوات المسلحة، كجدار صد قانوني معطل بفعل التوازنات السياسية القلقة. هذا النص الدستوري لم يصغ ليكون ترفاً، بل جاء كصمام أمان يحمي مفهوم الدولة الحديثة من التآكل والانهيار. إن الالتفاف على هذه الصراحة الدستورية، واستبدال غاية «إنهاء السلاح» بمفهوم «التنظيم المشروط»، يعري الدولة قانونياً أمام المجتمع الدولي، مما يعرض تصنيفها الائتماني واستقرار عملتها الوطنية لهزات عنيفة  تضرب معيشة المواطن اليومية. إن الخروج من هذا المأزق التاريخي المعقد لا يتحقق بالمسكنات المؤقتة أو بالتخادم السياسي مع مراكز القوة الموازية. إن الجغرافيا لا ترحم الضعفاء، ومستقبل العراق يفرض الانتقال الفوري نحو «الردع الدستوري الحاسم» وحصر مصادر القوة بيد المؤسسات الرسمية بلا شروط مسبقة أو مساومات تكتيكية. وما لم تسترد هذه الهيبة، سيبقى العراق يدفع كلفة «اللادولة» من لحمه الحي، وتظل سيادته رهينة تقلبات البورصة السياسية والمصالح المتطاحنة في المنطقة.

 


مشاهدات 51
الكاتب أحمد فاتح محمد
أضيف 2026/09/09 - 3:52 PM
آخر تحديث 2026/09/09 - 11:49 PM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 1846 الشهر 15426 الكلي 16547946
الوقت الآن
الأربعاء 2026/9/9 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير