عندما يصبح الدولار سلاحاً.. العراق بين المطرقة الأمريكية والسندان الإيراني
نبيل رحيم العبادي
في متابعة دقيقة لما نشرته (ميدل إيست أونلاين) مؤخراً، يبدو المشهد أكثر تعقيداً مما يظنه المراقب العادي. فالحديث عن استخدام واشنطن لاعتماد العراق على الدولار كأداة ضغط لإبعاده عن التجارة مع إيران، ليس مجرد تكهن سياسي، بل هو قراءة واقعية لآليات عمل النظام المالي العالمي التي أعرفها عن كثب. ما لم يُصرّح به صراحة في التقرير، لكنه حاضر في كل تفصيلة مصرفية، هو أن الاقتصاد العراقي يعيش حالة من (الدولرة الكاملة) منذ أكثر من عقدين، وهذه الحالة ليست اختيارية بقدر ما هي نتاج هيكلي لترتيبات ما بعد 2003. الاحتياطي العراقي الذي يزيد على مائة مليار دولار والمودع في نيويورك ليس مجرد أصل مالي، بل هو في جوهره رهينة تشغيلية، فأي تعثر في التحويلات أو أي تجميد ولو مؤقت يعني شللاً فورياً للقدرة الاستيرادية، وبالتالي لحركة الحياة اليومية في العراق.
من وجهة نظر مصرفية خالصة، فإن التهديد الأمريكي لا يستهدف كم التبادل التجاري مع إيران بقدر ما يستهدف آلية التسوية المالية ذاتها، وهذا هو الفارق الجوهري. فالنظام المالي العالمي القائم على الدولار يمنح واشنطن حق النقض على أي معاملة تتجاوز حدودها الرقابية، وإيقاف شحنة نقدية بقيمة نصف مليار دولار هو رسالة عملية لا تحتمل التأويل، مفادها أن السيولة النقدية التي تصل إلى يد التاجر العراقي تمر عبر فلتر أمني أمريكي قبل أن تصل إليه. هذا يعني أن العراق بات اليوم في مواجهة معادلة ثلاثية الأبعاد، البعد الأول مالي يتمثل في حاجته الماسة للدولار لتمويل استيراد السلع الأساسية، والبعد الثاني جيوسياسي يتمثل في علاقته الاستراتيجية مع إيران التي تجاوز حجم تبادلها التجاري عشرة مليارات دولار وتشمل الطاقة والكهرباء والسلع الغذائية، والبعد الثالث سيادي يتمثل في الشعور المتنامي بأن السيادة النقدية أصبحت وهمية في ظل هذا الاعتماد الأحادي.
بحث عن بدائل
إن ما يحاول العراق فعله اليوم من خلال البحث عن بدائل كاليوان أو الروبل أو إنشاء آليات مقاصة بديلة، يشبه في تقديري المهني محاولة تغيير عجلات سيارة تسير بسرعة مئتي كيلومتر في الساعة، ممكن نظرياً لكنه محفوف بمخاطر كبيرة على الاستقرار المالي في المدى القصير. الحل من وجهة نظري لا يكمن في المواجهة أو في الرهان على تغيير الإدارة الأمريكية، بل في تكتيك ذكي ومتعدد المسارات يبدأ بتنويع احتياطيات النقد الأجنبي ولو جزئياً بالانتقال من هيمنة الدولار إلى سلة عملات متوازنة تشمل الذهب واليوان واليورو، مع العمل الموازي على إنشاء آلية مقاصة مالية بديلة مع إيران وتركيا والصين تعتمد على مقايضة السلع بالطاقة لتقليل الاعتماد على التحويلات المصرفية الأمريكية، وأخيراً إصلاح جهاز الرقابة المصرفية داخلياً بما يمنح واشنطن ذريعة أقل للتدخل مع الإبقاء على قنوات اتصال سرية وفعالة مع الاحتياطي الفيدرالي لتفادي أي تصعيد غير محسوب.
في المحصلة النهائية، يجب أن يدرك صنّاع القرار في بغداد أن الدولار ليس مجرد عملة، بل هو إطار قانوني وسياسي متكامل، والمراهنة على تغيير هذا الإطار دون بديل جاهز وتام هي مغامرة لا تليق باقتصاد بحجم العراق. التحرر من الدولار رحلة طويلة تبدأ بتدابير عملية صامتة وليس بشعارات سياسية عالية، والوقت ليس في صالحنا ما لم نبدأ اليوم في بناء البدائل المؤسسية التي تضمن لنا هامشاً من المناورة في مواجهة أي ضغوط مستقبلية.
□ مصرفي قانوني