الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
السعودية في مرمى التصعيد الإقليمي.. هجوم يهدّد بتغيير قواعد المواجهة

بواسطة azzaman

السعودية في مرمى التصعيد الإقليمي.. هجوم يهدّد بتغيير قواعد المواجهة

محمد علي الحيدري

 

لا تكمن خطورة الهجمات الحوثية الأخيرة على المدن والمنشآت النفطية في جنوب السعودية في حجم الأضرار التي أحدثتها فحسب، بل في الدلالة السياسية والاستراتيجية التي تحملها. فاستهداف أبها وجازان ونجران وخميس مشيط بالصواريخ والطائرات المسيّرة، وإصابة عشرات المدنيين واشتعال النيران في منشآت للطاقة، يعني أن المواجهة الإقليمية دخلت طوراً جديداً، لم تعد فيه ساحاتها قابلة للعزل، ولا خطوطها الحمراء ثابتة كما كانت.

منذ اندلاع التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران، بدا أن دول الخليج تحاول النأي بنفسها عن المواجهة، على الرغم من صعوبة المحافظة على هذا الموقف في منطقة تحتضن قواعد أميركية ومنشآت نفطية حيوية وممرات بحرية تتحكم بجزء كبير من تجارة الطاقة العالمية. وكانت السعودية، بوجه خاص، حريصة على عدم العودة إلى الحرب اليمنية الواسعة، بعدما دفعت خلال سنواتها السابقة أثماناً أمنية وسياسية واقتصادية باهظة، وانتهت إلى قناعة بأن التفاوض، مهما كان شاقاً، أقل كلفة من حرب مفتوحة لا يستطيع أي طرف حسمها.

لكن الهجوم الأخير يضع هذه المقاربة أمام اختبار بالغ الصعوبة. فالرياض لا تستطيع تجاهل استهداف أراضيها ومنشآتها الحيوية وسقوط هذا العدد من المصابين، كما أن الرد العسكري الواسع قد يعيد إشعال الحرب اليمنية ويمنح الحوثيين مبرراً لتوسيع هجماتهم. وبين الصمت الذي قد يُفسَّر ضعفاً، والرد الذي قد يفتح جبهة جديدة، تضيق مساحة الخيارات المحسوبة.

أسواق عالمية

من جانبهم، يسعى الحوثيون إلى تأكيد أنهم لم يعودوا قوة محلية محصورة في النزاع اليمني، بل طرفاً إقليمياً يمتلك القدرة على التأثير في حسابات دول كبرى وأسواق عالمية. وهم يدركون أن ضرب منشأة نفطية سعودية لا يقتصر أثره على مكان الهجوم، بل يصل سريعاً إلى أسعار النفط وشركات التأمين وحركة السفن وقرارات الحكومات. وبهذا المعنى، تتحول الصواريخ والمسيّرات إلى أدوات ضغط سياسي واقتصادي تتجاوز قيمتها العسكرية المباشرة.

غير أن هذا الصعود في الدور الإقليمي يحمل مخاطرة كبيرة للحوثيين أنفسهم. فكلما اتسعت دائرة عملياتهم، تراجعت فرص التعامل معهم باعتبارهم طرفاً يمنياً يمكن احتواء خلافاته ضمن تسوية وطنية، وازدادت النظرة إليهم بوصفهم جزءاً من شبكة صراع إقليمي. وقد يؤدي ذلك إلى تشديد العزلة عليهم، وإضعاف المسار السياسي اليمني، ومنح خصومهم المحليين والخارجيين مبررات إضافية لاستئناف العمليات العسكرية ضدهم.

أما إيران، فإنها تجد في قدرات حلفائها وسيلة لتوسيع نطاق الردع وإرباك خصومها من دون الدخول المباشر في كل مواجهة. لكن هذه الاستراتيجية تواجه حدوداً واضحة؛ إذ إن تعدد الجبهات لا يضمن دائماً تحسين موقع طهران التفاوضي، بل قد يؤدي إلى تشكيل تحالف أوسع ضدها، ولا سيما إذا شعرت الدول الخليجية بأن سياسة تجنب الحرب لم تعد توفر لها الحماية. كما أن تضرر منشآت الطاقة وارتفاع أسعار النفط قد ينقلان الأزمة من إطارها العسكري إلى ضغط اقتصادي عالمي يدفع قوى دولية إضافية إلى التدخل.

النتيجة المباشرة للهجوم ظهرت في أسواق الطاقة، مع اقتراب سعر خام برنت من مئة دولار للبرميل. لكن الخطر الأكبر لا يتعلق بالسعر وحده، بل باحتمال تعرض مسارين استراتيجيين للخطر في الوقت نفسه: مضيق هرمز من الشرق، والبحر الأحمر وباب المندب من الغرب. وإذا تواصل التصعيد على الجبهتين، فلن تكون القضية مجرد نقص محتمل في الإمدادات، بل اهتزازاً في بنية أمن الطاقة العالمي وارتفاعاً في تكاليف النقل والتأمين، بما ينعكس تضخماً وتباطؤاً اقتصادياً يتجاوزان المنطقة.

مواجهة يمنية

ويكشف هذا التطور أيضاً هشاشة الاعتقاد بإمكان إدارة الحروب الإقليمية ضمن حدود مرسومة. فالصراع الذي يبدأ بضربة محدودة سرعان ما ينتج ردوداً غير محسوبة، وتتحول ساحاته الثانوية إلى جبهات أساسية. ومع تعدد الفاعلين، من دول وقوى مسلحة وحلفاء ووكلاء، يصبح قرار التصعيد موزعاً بين أطراف كثيرة، بينما لا يمتلك أي منها منفرداً القدرة على وقف الحرب.

لهذا، لا ينبغي أن يُقرأ الهجوم على السعودية باعتباره فصلاً منفصلاً من المواجهة اليمنية، ولا مجرد رسالة إيرانية غير مباشرة. إنه إنذار بأن منظومة الردع في المنطقة آخذة في التفكك، وأن الحروب المتداخلة بدأت تتغذى بعضها من بعض. وإذا جاء الرد السعودي واسعاً، ورد الحوثيون بمزيد من الهجمات، فقد تجد المنطقة نفسها أمام حرب جديدة داخل الحرب الكبرى، فيما تتراجع فرص التسوية ويزداد المدنيون تعرضاً للخطر.

المطلوب ليس مطالبة السعودية بالتغاضي عن حقها في حماية أراضيها، ولا إعفاء الحوثيين من مسؤولية توسيع المواجهة، بل بناء تحرك سياسي سريع يمنع تحويل الهجوم إلى بداية دورة انتقام جديدة. ويمكن للوسطاء الذين حافظوا على قنواتهم مع الرياض وصنعاء وطهران أن يؤدوا دوراً في ضبط الردود ووقف استهداف منشآت الطاقة وإعادة فصل الملف اليمني عن الصراعات الإقليمية الأوسع. لقد أثبتت تجارب المنطقة أن سهولة بدء الحرب لا تعني القدرة على تحديد مسارها أو موعد نهايتها. والهجوم الأخير لا يهدد السعودية وحدها، بل يهدد بإسقاط ما بقي من حواجز تحول دون اندماج الأزمات الإقليمية في مواجهة واحدة. وعندئذ لن يكون السؤال مَن بدأ التصعيد، بل مَن بقي قادراً على إيقافه.

 

 


مشاهدات 53
الكاتب محمد علي الحيدري
أضيف 2026/09/09 - 3:50 PM
آخر تحديث 2026/09/09 - 11:49 PM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 1848 الشهر 15428 الكلي 16547948
الوقت الآن
الأربعاء 2026/9/9 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير