الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
عراق ما بعد 2003..  عندما أصبح لقب الدكتور جزءاً من السلطة

بواسطة azzaman

عراق ما بعد 2003..  عندما أصبح لقب الدكتور جزءاً من السلطة

جبار فريح شريده

 

منذ عام 2003، شهد العراق تحولات عميقة لم تقتصر على السياسة والأمن والاقتصاد، بل امتدت إلى مفهوم الشهادة الجامعية ومكانتها في المجتمع والدولة. ومن الظواهر التي تستحق التوقف عندها بجدية، الانتشار اللافت للألقاب الأكاديمية العليا، ولا سيما لقب «الدكتور»، بين السياسيين وأعضاء مجلس النواب والمسؤولين المحليين ومقدمي البرامج الإعلامية والموظفين، حتى أصبح المواطن العراقي أحياناً يشعر أن الحصول على الدكتوراه تحول من مشروع علمي طويل إلى وسيلة لتعزيز المكانة الاجتماعية والسياسية.

ولا يعني ذلك، بطبيعة الحال، أن كل من يحمل شهادة الدكتوراه في العراق حصل عليها بطرق غير سليمة؛ فهناك آلاف الأكاديميين والموظفين والمسؤولين الذين نالوا شهاداتهم بعد دراسة حقيقية وجهد علمي مستحق. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الشهادة من ثمرة للعلم إلى زينة للمنصب، أو وسيلة للترقية، أو غطاء اجتماعي وسياسي.

شهادات مزورة

لقد كانت قضية الشهادات المزورة والوثائق الدراسية محل جدل واسع في العراق منذ السنوات الأولى التي أعقبت 2003. وتقارير صحفية عراقية وعربية تحدثت آنذاك عن وجود شهادات مزورة بين موظفين ونواب ومسؤولين، فيما أشارت تقارير أخرى إلى أن الظاهرة شملت شهادات البكالوريوس والماجستير والدكتوراه.

من «المسؤول» إلى «الدكتور المسؤول»

في الدولة الطبيعية، يكون المنصب نتيجة للكفاءة والخبرة والنزاهة، وتكون الشهادة العلمية مؤشراً على التخصص والمعرفة. أما عندما يصبح اللقب الأكاديمي جزءاً من تعريف السياسي لنفسه، فقد تنقلب المعادلة: بدلاً من أن يخدم العلمُ المنصبَ، يصبح المنصب وسيلة للحصول على اللقب.

وهنا يبرز السؤال: لماذا ازدادت الرغبة في الحصول على الدكتوراه بعد الوصول إلى السلطة؟

جزء من الإجابة يرتبط بثقافة اجتماعية عراقية تعطي للشهادة الجامعية، ولا سيما الدكتوراه، قيمة رمزية كبيرة. فالشخص الذي كان يُعرّف سابقاً بصفته «النائب» أو «المحافظ» أو «المدير العام» أصبح يُقدَّم في بعض الأحيان بصفته «الدكتور النائب» أو «الدكتور المحافظ» أو «الدكتور المدير».

وهكذا أصبح اللقب الأكاديمي، في بعض الحالات، جزءاً من رأس المال السياسي والاجتماعي.

الدكتوراه: علم أم وجاهة؟

الدكتوراه ليست مجرد ورقة أو لقب يسبق الاسم. إنها أعلى درجات التأهيل الأكاديمي، يفترض أن تقوم على سنوات من الدراسة والبحث، وإنتاج معرفة جديدة، ومناقشة علمية جادة، وإشراف أكاديمي رصين.

لكن حين يحصل المسؤول على الدكتوراه وهو في قلب عمله السياسي، بينما تتطلب الدراسة الحقيقية حضوراً ومتابعة وبحثاً ومناقشات، يصبح من المشروع أن يسأل المواطن: متى درس؟ ومتى بحث؟ ومتى كتب أطروحته؟

هذه الأسئلة لا تعني اتهام شخص بعينه، وإنما تعني المطالبة بالشفافية. فالشهادة العلمية شأن عام عندما يستخدمها صاحبها لتولي منصب عام أو للحصول على امتياز وظيفي أو مالي.

وقد أشارت تقارير حديثة إلى استمرار الجدل حول حصول مسؤولين عراقيين على شهادات جامعية وعليا بعد توليهم المناصب، وما يثيره ذلك من تساؤلات بشأن العلاقة بين الوظيفة العامة والدراسة الأكاديمية.

المشكلة ليست في الدكتوراه بل في «تضخم الشهادات»

الخطر الحقيقي ليس في كثرة حملة الدكتوراه بحد ذاتها. فالعراق يحتاج إلى المزيد من العلماء والباحثين والأطباء والمهندسين وأساتذة الجامعات.

المشكلة في تضخم الشهادات عندما يصبح عدد حملة الألقاب أكبر من حجم الإنتاج العلمي الحقيقي.

فماذا يعني أن نجد أعداداً كبيرة من السياسيين والإعلاميين والموظفين يحملون الدكتوراه، بينما لا نجد بالمستوى نفسه إنتاجاً بحثياً أو ابتكاراً علمياً أو جامعات منافسة أو مراكز أبحاث مؤثرة؟

إذا كان المجتمع ينتج «ألقاباً» أكثر مما ينتج «معرفة»، فهناك خلل في منظومة التعليم نفسها.

وقد عبّر أكاديميون عراقيون عن هذه المشكلة بمفهوم قريب من «التضخم الشهادوي»، أي أن كثرة الشهادات، عندما تنفصل عن الرصانة العلمية، تؤدي إلى فقدان الشهادة قيمتها في المجتمع وسوق العمل.

السياسة حين تدخل الجامعة

بعد 2003، دخلت السياسة بقوة إلى معظم مؤسسات الدولة. وعندما تتداخل السياسة مع التعليم العالي، تظهر مشكلة أخطر: تحويل الشهادة إلى وسيلة للمحاصصة أو الترقية أو تثبيت النفوذ.

وقد كشفت السنوات الماضية عن ملفات متعددة تتعلق بصحة الوثائق الدراسية، حتى إن تقارير صحفية تحدثت عن آلاف الوثائق والشهادات التي كانت موضع تحقيق أو شكوك، وشملت موظفين ومسؤولين ومرشحين للانتخابات.

وهنا لا يعود السؤال: «هل يحمل فلان شهادة دكتوراه؟»، وإنما يصبح السؤال الأهم:

أين درس؟

ماذا أنجز؟

من أشرف على أطروحته؟

ما موضوع بحثه؟

أين نُشرت أبحاثه؟

وهل الجامعة التي منحته الشهادة معترف بها؟

قيمة الدكتوراه

هذه هي قيمة الدكتوراه الأسئلة التي يجب أن تحدد قيمة الدكتوراه، وليس اللقب وحده.

الإعلام أيضاً دخل لعبة الألقاب

المفارقة أن ظاهرة «الدكتور» لم تعد محصورة في المؤسسات السياسية أو الحكومية، بل امتدت إلى الفضاء الإعلامي. وأصبح اللقب الأكاديمي في بعض البرامج التلفزيونية يُستخدم لإضفاء سلطة معرفية على الضيف أو مقدم البرنامج.

لكن الدكتوراه في تخصص معين لا تجعل صاحبها خبيراً في كل شيء.

فالطبيب ليس بالضرورة خبيراً في الاقتصاد، وأستاذ القانون ليس بالضرورة خبيراً في الطاقة، والدكتور في الإدارة ليس بالضرورة محللاً استراتيجياً.

ومع ذلك، فإن استخدام لقب «الدكتور» في الإعلام قد يمنح انطباعاً لدى الجمهور بأن المتحدث يمتلك سلطة معرفية شاملة.

وهنا تتحول الشهادة من مؤهل تخصصي إلى أداة تأثير جماهيري.

الموظف والدكتوراه

أما داخل الجهاز الإداري، فإن المشكلة أكثر تعقيداً.

عندما تصبح الشهادة العليا طريقاً للترقية أو زيادة الراتب أو الوصول إلى منصب إداري، فمن الطبيعي أن يسعى الموظف للحصول عليها. لكن إذا لم يكن النظام قادراً على التمييز بين الدراسة الحقيقية والدراسة الشكلية، فإن النتيجة تكون سباقاً للحصول على الأوراق بدلاً من سباق لتطوير المهارات.

وفي هذه الحالة قد يصبح الموظف أمام خيارين: أن يتعلم ويطور نفسه، أو أن يبحث عن شهادة تمنحه الدرجة الوظيفية نفسها بأقل جهد.

وهنا تتضرر الدولة مرتين: مرة عندما تمنح الامتياز لمن لا يستحقه، ومرة عندما تحبط الموظف الكفوء الذي قضى سنوات في البحث والدراسة الحقيقية.

الشهادة المزورة ليست المشكلة الوحيدة

من الخطأ اختزال القضية في «تزوير الشهادات» فقط.

هناك فرق بين الشهادة المزورة تماماً، والشهادة الصادرة من مؤسسة غير معترف بها، والشهادة الصحيحة قانونياً لكنها ضعيفة أكاديمياً، والشهادة التي حصل عليها صاحبها بطريقة قانونية ولكن من دون مستوى علمي يوازي قيمتها.

لذلك فإن معالجة المشكلة تتطلب أكثر من ملاحقة المزورين.

نحتاج إلى تدقيق الاعتراف بالجامعات، ونظام الدراسة، والإشراف، والمناقشة، والنشر العلمي، والرصانة الأكاديمية.

فليس كل ما هو قانوني بالضرورة رصيناً علمياً، وليس كل ما يحمل ختم جامعة يمثل بالضرورة المستوى الذي يفترض أن تمثله الدكتوراه.

أين تكمن المسؤولية؟

المسؤولية تقع على أكثر من جهة.

أولاً، وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، لأنها الجهة المسؤولة عن تنظيم الاعتراف بالشهادات ومؤسسات التعليم.

ثانياً، الجامعات، التي يجب أن تحمي سمعتها ولا تسمح بتحويل الدراسات العليا إلى سوق تجارية.

ثالثاً، الجهات الرقابية، التي ينبغي أن تتعامل مع الشهادة كما تتعامل مع أي وثيقة رسمية أخرى.

رابعاً، الأحزاب السياسية، التي يفترض ألا تجعل الشهادة شرطاً شكلياً للترشيح أو التعيين، ولا أن تحمي شخصاً إذا ثبت تزويره.

خامساً، الإعلام، الذي ينبغي ألا يتعامل مع لقب «الدكتور» بوصفه دليلاً تلقائياً على الخبرة.

وأخيراً، المجتمع نفسه، الذي يجب أن يعيد تعريف قيمة الإنسان. فليس كل «دكتور» عالماً، وليس كل من لا يحمل دكتوراه جاهلاً.

المطلوب: تدقيق لا تشهير

فتح هذا الملف يجب ألا يتحول إلى حملة لتشويه حملة الشهادات العليا أو التشكيك في كل أكاديمي عراقي. كما يجب ألا يتحول إلى تصفية حسابات سياسية.

المطلوب هو تدقيق مهني وشفاف يشمل كل المسؤولين والموظفين الذين يستخدمون شهاداتهم للحصول على منصب أو امتياز، من دون استثناءات حزبية أو طائفية أو شخصية.

والقاعدة يجب أن تكون بسيطة:

من كانت شهادته صحيحة ورصينة فليُكرَّم، ومن كانت شهادته مزورة فليُحاسَب، ومن كانت شهادته غير معترف بها فليُطبَّق عليه القانون، ومن حصل عليها بصورة صحيحة ولكنها ضعيفة علمياً فلا ينبغي تقديمها للجمهور باعتبارها دليلاً على الخبرة المطلقة.

العراق بحاجة إلى علماء لا إلى ألقاب

بعد أكثر من عقدين على 2003، ربما آن الأوان لأن نسأل سؤالاً مختلفاً.

ليس: كم دكتوراً لدينا؟

بل: كم عالماً لدينا؟

كم بحثاً عراقياً غيّر شيئاً في العالم؟

كم جامعة عراقية تنافس الجامعات الإقليمية والدولية؟

كم مركز أبحاث يصنع سياسة الدولة بدلاً من أن يصنع السياسيون خطابهم بأنفسهم؟

كم اختراعاً عراقياً خرج من جامعاتنا؟

وكم مسؤولاً يستخدم معرفته لتحسين الإدارة والخدمات والاقتصاد؟

فالدكتوراه الحقيقية لا تُقاس بعدد مرات ذكر لقب «الدكتور» قبل الاسم، وإنما بما يقدمه صاحبها من معرفة وفكر وإنتاج وخدمة للمجتمع.

إن العراق لا يعاني من نقص في الألقاب بقدر ما يعاني من الحاجة إلى الكفاءة والنزاهة والمعرفة الحقيقية. وإذا أصبح الحصول على الدكتوراه جزءاً من رحلة الوصول إلى السلطة، بدلاً من أن يكون نتيجة رحلة طويلة في البحث العلمي، فإننا نكون أمام مشكلة أكبر من مجرد تزوير وثيقة؛ نكون أمام تزوير لمفهوم العلم نفسه.

ولهذا فإن إصلاح العراق لا يحتاج إلى مزيد من «الدكاترة» على الورق، بقدر ما يحتاج إلى دولة تحترم العلم، وجامعة تحمي قيمة الشهادة، ومجتمع يقدّر الإنجاز أكثر من اللقب، ونظام سياسي يختار المسؤول على أساس الكفاءة لا على أساس عدد الحروف التي تسبق اسمه.

فالعلم الحقيقي لا يحتاج إلى لقب يحميه؛ واللقب الذي لا يسنده علم حقيقي لا يستطيع أن يحمي صاحبه طويلاً.


مشاهدات 50
الكاتب جبار فريح شريده
أضيف 2026/08/29 - 1:05 AM
آخر تحديث 2026/08/29 - 2:31 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 178 الشهر 37965 الكلي 16127669
الوقت الآن
السبت 2026/8/29 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير