لماذا يتكلم العراق لغة كربلاء؟
الزهراء الحداد
توقفت حركة السير في أحد شوارع بغداد. لم يكن حادثاً مرورياً، ولا موكباً رسمياً، بل قافلة من الجمال والخيول تعيد تمثيل واقعة مضى عليها أكثر من ثلاثة عشر قرناً. كان عشرات الشبان يجسدون أحداث الطف بكل ما فيها من ألم، لا بوصفهم ممثلين محترفين، بل أبناءً حملوا على عاتقهم إحياء ذكرى أهل البيت، عليهم السلام، في واحدة من أفجع محطات التاريخ الإسلامي.في تلك اللحظة، سألني زوجي سؤالاً لم أكن أملك له جواباً كاملاً:لماذا يفعل العراقيون هذا كل عام؟
أجبته سريعاً بأن هذه الطقوس هي الطريقة التي يعبر بها العراقي عن حزن تربى عليه منذ نعومة أظفاره. لكن جوابي، رغم بساطته، لم يقنعني أنا. ومنذ تلك اللحظة ظل سؤال آخر يرافقني:لماذا يتكلم العراق لغة كربلاء؟
وليس الرثاء غريباً عن هذه الأرض. فأقدم النصوص التي وصلتنا من حضارات وادي الرافدين لم تكن كلها أناشيد انتصار، بل كان بينها مراثٍ لمدن سقطت وشعوب فقدت أبناءها. فمنذ آلاف السنين، والعراق يبني، ثم يفقد، ثم يرثي، ثم يبدأ من جديد. وكأن الذاكرة، أكثر من الحجر، كانت دائماً الوسيلة التي حافظ بها العراقي على بقائه.
وربما لهذا لم يجد العراقي في كربلاء مجرد واقعة تاريخية، بل وجد فيها لغةً يفهم بها أوجاعه. لم تقدم له كربلاء الحزن فحسب، بل قدمت له معنى الحزن؛ معنى أن تبقى الكرامة أغلى من الحياة، وأن يكون الصبر موقفاً، وأن يتحول الفقد إلى رسالة لا إلى نهاية.ولذلك، لا أرى العراقي عاشقاً للحزن كما يصفه بعضهم، ولا الحزن جزءاً من فطرته. لكنه، عبر آلاف السنين، ظل يبحث عن لغة تفسر أوجاعه وتمنحها معنى. وربما لهذا وجد في كربلاء أكثر من فاجعة؛ وجد فيها مفردات يقرأ بها الظلم، ويفهم بها الصبر، ويواجه بها الفقد.ولم يتوقف العراق عن إنتاج مآسيه. فالأم التي ودعت ابنها في سبايكر، كثيراً ما وجدت نفسها تستحضر القاسم بن الحسن، سلام الله عليه؛ شاباً خرج إلى الموت قبل أن يكتمل عرسه، كما خرج آلاف الشباب إلى مصير لم يختاروه. والأخت التي وقفت على قبر أخيها، استعادت السيدة زينب، سلام الله عليها، لا لأن التاريخ يعيد نفسه، بل لأن كربلاء منحت العراقي اللغة التي يعبر بها عن الفقد حين تعجز الكلمات.ربما لا يستطيع التاريخ أن يجيب لماذا اختار العراق كربلاء، أو لماذا اختارت كربلاء العراق. لكن ما نعرفه أن العراقي، كلما ولد وجع جديد، عاد يتكلم اللغة نفسها... لغة كربلاء.