الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
لماذا يحتفظ الفاسدون بالنقد والذهب؟

بواسطة azzaman

لماذا يحتفظ الفاسدون بالنقد والذهب؟

عدنان الدوسري

 

لم تكن حملات مكافحة الفساد في العراق مجرد إجراءات قانونية لملاحقة متهمين بالاستيلاء على المال العام، بل تحولت إلى مرآة قاسية كشفت جانبًا عميقًا من بنية الفساد وآلياته. وأكثر ما لفت انتباه الرأي العام لم يكن حجم القصور أو مظاهر الرفاه، بل تلك الكميات الهائلة من الأموال النقدية والسبائك الذهبية المخزنة داخل المنازل، وكأننا أمام اقتصاد موازٍ يعمل خارج الدولة، وخارج النظام المصرفي، وخارج أعين الرقابة.

السؤال الاقتصادي الأهم هو: لماذا يحتفظ مسؤول أو متنفذ بكميات ضخمة من النقد والذهب في بلد يمتلك شبكة من المصارف الحكومية والأهلية؟في كثير من الحالات، لا يتعلق الأمر بالرفاه أو سهولة الوصول إلى الأموال، بل بالخوف من التتبع المالي. فالأموال التي تدخل المنظومة المصرفية تترك أثرًا يمكن تتبعه وتحليله، وربطه بالدخل المعلن، والعقود الحكومية، والإقرارات الضريبية، وكشف الذمم المالية. لذلك يصبح الاحتفاظ بالنقد وسيلة لتجنب الرقابة وإخفاء مصدر الثروة، أكثر من كونه خيارًا ماليًا.

ازمة اعمق

أما الذهب، فهو الوجه الآخر لاقتصاد الفساد؛ إذ يمثل مخزنًا آمنًا للقيمة، لا يتأثر كثيرًا بتقلبات العملات، ويسهل إخفاؤه ونقله وتسييله عند الحاجة، كما أنه أقل ارتباطًا بالنظام المالي الرسمي. ولهذا ظل الذهب، عبر التاريخ، الملاذ المفضل لكل من يبحث عن حماية ثروته بعيدًا عن أعين المؤسسات الرقابية.وتكشف هذه الظاهرة أزمة أعمق من مجرد فساد أفراد؛ فهي تعكس هشاشة منظومة الرقابة، وضعف الربط بين الثروة والدخل المشروع، وتراجع الثقة بالمؤسسات المالية. كما أنها تؤكد أن جزءًا كبيرًا من الأموال المنهوبة لا يعود إلى الاقتصاد الوطني على شكل استثمارات أو مشاريع أو فرص عمل، بل يبقى معطلًا داخل خزائن مغلقة، في وقت يعاني فيه الاقتصاد من ضعف الاستثمار، وتراجع الخدمات، وارتفاع معدلات البطالة.إن تكديس الأموال والذهب داخل القصور يعني أن الفساد لا يكتفي بسرقة المال العام، بل يعطل الدورة الاقتصادية نفسها. فالمال الذي يفترض أن يتحرك في الأسواق، ويمول المشاريع، ويولد فرص العمل، يتحول إلى ثروة جامدة لا تضيف قيمة للاقتصاد، بل تحرمه من السيولة والاستثمار. إنها خسارة مزدوجة: نهب للمال العام، وتعطيل لدوره التنموي.والمشهد الأكثر إيلامًا هو المقارنة التي يرسمها المواطن بين تلك الثروات المكدسة وبين واقعه اليومي. فحين يرى ملايين الدولارات وأطنان الذهب مخبأة في قصور المتنفذين، بينما يعاني من نقص الخدمات، وتهالك البنية التحتية، وارتفاع تكاليف المعيشة، فإنه لا يرى مجرد قضية فساد، بل يرى مدارس لم تُبن، ومستشفيات لم تُجهز، وطرقًا لم تُعبد، ووظائف كان من الممكن أن تمنح آلاف الشباب فرصة لحياة كريمة.ومن هنا، فإن نجاح حملات مكافحة الفساد لا يقاس بعدد المداهمات أو حجم الأموال المضبوطة، وإنما بقدرتها على بناء منظومة تمنع إنتاج الفساد من جديد. فالمطلوب هو تعزيز الشفافية، وتفعيل الرقابة على تضخم الثروات، وربط الإنفاق الحكومي بمنظومات دفع إلكترونية قابلة للتتبع، وتفعيل كشف الذمم المالية، وملاحقة الثروة غير المبررة وفق القانون، بما يضمن حماية المال العام واستعادة ثقة المواطن بالدولة.

إن الأموال النقدية والذهب اللذين يظهران في قصور الفساد ليسا مجرد دليل إدانة، بل مؤشران على وجود اقتصاد خفي ينمو في الظل، بعيدًا عن المؤسسات والقوانين. وكلما بقي هذا الاقتصاد أقوى من أدوات الرقابة، ستظل التنمية مؤجلة، وستبقى الثقة بين المواطن والدولة مهددة. فالمعركة الحقيقية ليست مع فاسد بعينه، بل مع منظومة تسمح بتحويل المال العام من مورد لبناء الوطن إلى غنيمة تُخفى خلف الجدران.

مستشار اقتصادي


مشاهدات 88
الكاتب عدنان الدوسري
أضيف 2026/07/05 - 3:20 PM
آخر تحديث 2026/07/06 - 1:11 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 108 الشهر 5426 الكلي 15910553
الوقت الآن
الإثنين 2026/7/6 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير