هاشتاك الناس
وجع المتقاعد
ياس خضير البياتي
في هذا البلد، يبدو أن هناك نظامًا إداريًا فريدًا من نوعه: الموظف يعمل ثلاثين أو أربعين عامًا حتى يتقاعد، ثم تبدأ الدولة بتدريبه على مهارة جديدة لم تكن ضمن وصفه الوظيفي؛ فن البقاء على قيد الحياة بأقل الإمكانات. إنها دورة إلزامية لا تحتاج إلى شهادة، ولا تُمنح فيها مكافأة، وربما لو أُقيمت لها أكاديمية لحصلت على اعتماد دولي.
المتقاعد هنا لا يحتاج إلى تطبيق لإدارة مصروفه؛ فالحسابات أصبحت بسيطة جدًا: الراتب يدخل، والفواتير تصطف لاستقباله، ثم يحدث لقاء قصير بينهما لا يتجاوز أيامًا قليلة، وبعدها تعلن الميزانية وفاة الاجتماع المالي حتى إشعار آخر.
والأجمل في الأمر أن المتقاعد يُنصح دائمًا بأن «يحافظ على صحته»، وكأن الصحة قرار شخصي لا علاقة له بسعر الدواء، ولا بطوابير المستشفيات، ولا بفاتورة العلاج. وكأن المرض أيضًا يحتاج إلى موافقة مسبقة قبل أن يزور المواطن.
أما كلمة «استراحة بعد الخدمة»، فهي من أجمل النكات الإدارية. فالمتقاعد يكتشف أن الخدمة انتهت، لكن الأقساط لم تنتهِ، والأبناء لم يتخرجوا جميعًا، والمرض لم يحترم قرار التقاعد، والأسعار لم تحصل على نسخة من كتاب الإحالة إلى التقاعد.
المفارقة الأكثر مرارة أن العراق لا يعيش أزمة فقر في الموارد، بل أزمة في الطريق الذي تسلكه هذه الموارد. بلد يطفو فوق بحر من النفط، لكنه يغرق في بحر آخر من الهدر والفساد وسوء الإدارة. مليارات تُهدر، وثروات تُبدد، وأموال تختفي في دهاليز لا يعرف المواطن أين تبدأ ولا أين تنتهي؛ بينما يقف المتقاعد أمام راتبه الشهري الصغير، يحاول أن يفهم المعادلة العجيبة: كيف يمكن لبلد بهذه الثروات أن يعجز عن توفير حياة كريمة لمن أفنى عمره في خدمته؟
المتقاعد العراقي لا يطلب قصرًا ولا سيارة فارهة ولا رحلة حول العالم. كل أحلامه أصبحت متواضعة إلى درجة مؤلمة: دواء متوفر، كهرباء مستقرة، راتب يكمل الشهر، وكرسي يجلس عليه دون أن يحسب ثمنه.
ربما آن الأوان أن يُدرَّس «علم التقاعد العراقي» في الجامعات؛ فهو تجربة فريدة تجمع بين الاقتصاد، وعلم النفس، وفنون الصبر، وقليل من الكوميديا السوداء. فليس كل شعب يستطيع أن يحول السؤال المرعب: «كيف سنعيش؟» إلى نكتة يتبادلها الناس في المقاهي.
هنا تبلغ المفارقة ذروتها؛ فالمشهد لم يعد مجرد أزمة اقتصادية، بل أصبح مادة جاهزة لرواية ساخرة سوداء: أموال تبحث عن أماكن آمنة فتُدفن في أماكن لا تخطر على البال؛ في حفر المزارع، وبين جدران البيوت، بينما يبحث المتقاعد عن حقه فلا يجد إلا رقماً محدوداً في حسابه.ويرى من يملك المالَ المسروق يتباهى بملابسَ داخليةٍ مرصعةٍ بالذهب، ثم يُطلب منه أن يقتصد حتى في أبسط ضرورياته لإنقاذ الميزانية من الهدر والإفلاس، ثم تأتي العبارة الأخيرة بسخرية مريرة: «أرجوك، اخلع ملابسك الداخلية... لقد وصلت إلى مرحلة الرفاهية!
yaaas@hotmail.com