الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
المتقاعدون والحرمان من ممارسة مهنة المحاماة

بواسطة azzaman

المتقاعدون والحرمان من ممارسة مهنة المحاماة

احمد طلال البدري

 

اثير مؤخراً في الاوساط القانونية وعلى بعض وسائل التواصل الاجتماعي ومنها منصة مسارات قانونية وبعض حسابات المحامين ، مقترح حرمان المتقاعدين من حملة شهادة البكالوريوس في القانون من ممارسة مهنة المحاماة بعد تقاعدهم بحجة الكبر بالسن ومنافسة المحامين الشباب بسبب علاقات الموظف المتقاعد وخصوصاً اذا كان يشغل السابق منصباً قضائياً او تحقيقياً، وبسبب تضخم اعداد المحامين وضيق الرزق وعدم توفر فرص للتوظيف وغيرها من المبررات ، وركزت المقترحات على الموظف المتقاعد كأنه سبب في افتقار المحامي وضيق العيش وانحسار الفرص ، واهملت ذكر المقترحات التي من شأنها تطوير مهنة المحاماة والارتقاء بها واستثمار اموال النقابة لخدمة اعضاءها واهدافها وغيرها من المقترحات التي يمكن تطور عمل المحاماة كمهنة حرة شريفة ونبيلة ،  وربما تكون هذه الملاحظات مهمة من وجهة نظر من يطرحها وحرية الرأي والعمل النقابي المهني مكفولة للجميع دستورياً وقانونياً ، لكن المقترحات التي تصدر من رجال القانون يجب ان تراعي القانون في طرحها، بعيداً عن العاطفة والانحياز المهني ، وسنحاول الرد على هذا المقترح من وجهة النظر القانونية لكوني من المهتمين بمهنة المحاماة ولكوني قد مارست هذه المهنة فعلياً لمدة عشرة سنوات في مرحلة ما من مراحل حياتي وكنت حائزاً على الصلاحية المطلقة في ممارسة هذه المهنة ، واطلعت على خفاياها ومعاناتها وصراعاتها المهنية عن كثب  ، وكما يأتي :

1. حق العمل الحر هو حق دستوري كفلته المادة (22/اولاً) من دستور جمهورية العراق لسنة 2005 حيث نصت على ان (العمل حق لكل العراقيين بما يضمن لهم حياة كريمة ) ،  والملاحظ ان هذا النص ورد مطلقاً لم يمييز بسبب الجنس او القومية او الدين او العمر اي لم يميز بين كبير السن او شاب في مقتبل العمر ، وبالتالي ان حرمان كبار السن من العمل بحجة الاحتفاض بكرامتهم ، هو امر غير دستوري لان الاصل هو ان العمل من يحفظ كرامة الانسان ويوفر لها سبل العيش الكريم .

تأسيس نقابات

2. ان حق الانتساب للنقابات المهنية هو حق دستوري كفلته المادة (22/ ثالثاً) من دستور جمهورية العراق لسنة 2005 التي نصت على ان (تكفل الدولة حق تأسيس النقابات والاتحادات المهنية ، او الانضمام اليها ، وينظم ذلك بقانون ) ، وبالتالي فأن حق الانضمام للنقابات المهنية كنقابة المحاماة ونقابة الاطباء ونقابة المحاسبين وغيرها هو حق دستوري ، ونص الدستور على تنظيم حالة الانضمام لهذه النقابات بموجب القانون ، ويلاحظ ان النص الدستوري اشار الى (التنظيم ) وليس (التقييد) فكل نص قانوني يقلل من فاعلية النص الدستوري اوينتقص من الحق او الحرية المنظمة بموجب القانون يعد نصاً مخالف للدستور ، وهذا ما اشارت اليه المادة (46) من دستور جمهورية العراق عندما نصت على ان ( لايكون تقييد ممارسة اي من الحقوق والحريات الواردة بهذا الدستور او تحديدها الا بقانون او بناءً عليه ، على ان لايمس ذلك التحديد او التقييد جوهر الحق او الحرية ) ، وبموجب هذا النص فأن المشرع مقيد بموجب نص امر بعدم الانتقاص من جوهر الحق او الحرية عند تنظيم ممارستها ، والحرمان من العمل اقسى انتقاص ينال من حق العمل والانضمام للنقابات المهنية .

3. اباح قانون المحاماة رقم (173) لسنة (65) المعدل الانتماء لنقابة المحامين ونظمها بشروط وردت في المادة (2) منه ، وبالرجوع للفقرة (سادساً) وهي تخص من كان موظفاً وانقطعت علاقته بالوظيفة سواء بالتقاعد او الاستقالة واوردت قيداً عاماً مؤقتاً ، عندما نصت على ان ( غير معزول من وظيفته او مهنته او معتزل لها او منقطع الصله بها لاسباب ماسة بالذمة او الشرف مالم تمضي سنتين على ذلك ) ، والمفهوم المخالف للنص سابق الذكر هو جواز انتماء الموظف للنقابة متى ما انقطعت علاقته بالوظيفة لاسباب مشروعة لاتمس ذمته اوشرفه  كالاحالة على التقاعد او الاستقالة ، اضافة لتحقق الشروط الاخرى المنصوص عليها في هذه المادة .

مقومات جسدية

4. ولما كان الانتماء لنقابة المحاماة اختيارياً لمن يريد ممارسة هذه المهنة استناداً للمادة (1) من قانون المحاماة ، فأن للموظف المتقاعد الذي تتوفر شروط الانتماء للنقابة له الخيار بالانتماء للنقابة اذا توفرت فيه المقومات الجسدية والنفسية التي تؤهله لذلك اوبسبب ظروفه الاقتصادية ، فضلاً عن ذلك ان ليس كل المتقاعدين يرغب بالانتماء للنقابة بعد تقاعده ، وبالتالي فأن قانون نقابه المحامين بوضعه الحالي ينسجمع مع النصوص الدستورية سابقة الذكر .

5. ان الادعاء بقيام المتقاعدين المنتمين للنقابة بمنافسه المحامين الاحداث والمحامين المتمرسين في اقتناص فرص العمل والقضايا بسبب استغلال علاقاتهم الوظيفية ادعاء مردود ، لان قانون المحاماة ذاته منع استغلال العلاقات الوظيفية السابقة واخضع هذه الممارسات لرقابة نقابة المحامين ذاتها ، حيث نصت المادة (47) منه على ان ( 1. يمتنع على المحامي الذي تولى الوزارة او عضوية المجالس العامة قبول الوكالة بنفسه او بواسطة محام يعمل لحسابه في دعوى ضد الوزارة التي يتولاها او المجلس الذي كان عضوا فيه  وذلك خلال السنتين التاليتين لتركه الوزاره او انهاء العضوية 2.لايجوز لمن عرضت عليه دعوى او ابدى فيها رأياً بصفته حاكماً او خبيراً ان يقبل الوكالة او الدعوى نفسها سواء بنفسه او بواسطه محام.

 يعمل لحسابه) ، ويمكن للنقابة ان تورد تعديلها على هذه المادة لتوسيع نطاق المنع الوارد فيها باضافة طائفة الموظفين العموميين والهيئات القضائية واعمال التحقيق والتحري الى الفقرة (1) من المادة (47) سابقة الذكر، لمنع الموظف ممن كان يعمل في هيئة قضائية او اعمال التحقيق والتحري من قبول دعاوى في الدائرة التي يعمل فيها سابقاً، لمنع تضارب المصالح والحد من استغلال نفوذ الوظيفة والعلاقات ، اذا ان هذا النص يكفل معالجة مشكلة استغلال العلاقات الوظيفيه السابقة في العمل عند ممارسة مهنة المحاماة ، لا بحرمان المتقاعد من حقه الدستوري بالانتماء لنقابة المحامين وممارسة مهنة المحاماة ، فالتعديل يجب ان ينال اصل المشكلة لا اصل الحق او الحرية بشكل مطلق .

6. ان الادعاء بازدواج حصول الموظف المتقاعد على راتبين تقاعديين واحد لقاء خدمته الوظيفية السابقة ، والثاني من صندوق تقاعد المحامين مردود على صاحبه ، ذلك ان الراتب التقاعدي يمثل حصيلة مبالغ التوقيفات التقاعدية التي تستقطع شهرياً من رواتب موظفي الدولة والمكلفين بخدمة عامة اضافة لمساهمة الدولة بنسبة لاتتجاوز (15%) من راتب الموظف ، وبالنتيجة فأن الراتب التقاعدي حصيلة ما تم استقطاعه من راتب الموظف خلال سنين الخدمة وليس هبه او منحة ، كما ان اي خدمات اخرى لاتضاف الى رصيد الموظف بعد احالته على التقاعد ، ويترتب على ذلك لايمكن اضافة خدمة المحاماة الى خدمته التقاعدية ولايمكن ان يتقاضى راتباً تقاعدياً من صندوق النقابة لانه انتمى اليها وهو متقاعد اصلاً ، ويفترض انه مؤشر في اضبارته الشخصية  كونه متقاعد ، ويمكن باجراء اداري التحقق من موقف المنتمي من خلال اجراء مقاطعة بالاسماء مع هيئة التقاعد الوطنية ، اذ ان قانون التقاعد الموحد رقم (9) لسنة 2014 منع حالة الازدواج في الحصول على المستحقات التقاعدية في المادة (21/ حادي عشر) التي نصت على ان (لايجوز للمتقاعد تقاضي اكثر من راتب تقاعدي استحقه بموجب اكثر من قانون وله ان يختار لمرة واحدة فقط مبلغ الراتب التقاعدي الافضل ) ، وهنا يجب ان ننوه الى ضرورة حوكمة اجراءات النقابة عند انتماء المتقاعدين او اعادة انتمائهم  لتثبيت مركزهم كمتقاعدين وعدم استيفاء مبالغ منهم من صندوق تقاعد المحامين عند تجديد اشتراكاتهم كون المسألة تنظيمية وادارية وليس قصوراً تشريعياً .

7. ان القول بحرمان المتقاعد من ممارسة مهنة المحاماة معناه ان يستتبع ذلك اجراء مقابل يتمثل بالغاء قانون احتساب مهنة المحاماة لكافة الاغراض في الوظيفة العامة رقم (65) لسنة 2007 المعدل ، وهذا ايضاً وفق منطق اصحاب الاقتراح يعد عادلاً لان الغاء هذا القانون لايمنع حق التوظيف لكنه يمنع من حصول المحامي على درجة وظيفية وراتب هذه الدرجة في ضوء خدمة المحاماة السابقة دون ان يكون له خدمة فعليه بالوظيفة ، وهذا وفقاً لمنطق اصحاب الاقتراح من شأنه منافسة الموظف تحت التجربة والموظفين الاحداث والاقدمين في الوظيفة .

8. ان اقتراح تعديل القوانين النافذه ومنها قانون المحاماة يتطلب من القائمين عليه دراسة القوانين ذات العلاقة بالقانون المراد تعديله والاحاطة بالقوانين المقارنة المماثلة للاطلاع على التجارب القانونية السابقه  ، وان لايتضمن التعديل ثلمة بالحقوق الدستورية ، وان يكون لديها دراسات واحصائيات لتثبيت المشكلة فعلاً لامجرد الاطلاع على الاراء والتجارب الشخصية ، ومن هذا المنبر ندعو المشرع العراقي الى دراسة مقترح التعديل بتأني وبالرجوع للقوانين ذات العلاقة بقانون التعديل والقوانين المقارنة ونقترح اضافة تعديل للقانون يسمح للاساتذه الجامعيين من حملة شهادة الدكتوراه في القانون من ممارسة المحاماة اثناء الوظيفة على غرار القانون المصري للاستفادة من خبرة بعض فقهاء القانون امام المحاكم العليا ... والله ولي التوفيق .


مشاهدات 50
الكاتب احمد طلال البدري
أضيف 2026/07/09 - 12:53 AM
آخر تحديث 2026/07/09 - 2:23 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 147 الشهر 8781 الكلي 15913908
الوقت الآن
الخميس 2026/7/9 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير