حميد سعيد: نصف قرن من الإبداع الشعري والثقافي
محمد علي محيي الدين
يُعدّ حميد سعيد واحداً من أبرز الأصوات الشعرية والثقافية في العراق والعالم العربي خلال النصف الثاني من القرن العشرين وبدايات القرن الحادي والعشرين، إذ استطاع عبر تجربته الشعرية والفكرية الممتدة لأكثر من خمسة عقود أن يؤسس لنفسه مكانة راسخة بين كبار الشعراء العرب المعاصرين. وقد اقترنت تجربته الإبداعية بالتحولات السياسية والثقافية التي شهدها العراق والعالم العربي، فغدت قصائده مرآةً للإنسان العربي في أفراحه وانكساراته، وأصبحت كتاباته سجلاً شعرياً حافلاً بالأسئلة الكبرى المتعلقة بالوطن والهوية والمنفى والذاكرة.
وُلد حميد سعيد هادي الأمين عام 1941 في محلة الوردية بمدينة الحلة، تلك المدينة التي شكلت أحد أهم منابع الثقافة والأدب في العراق. وفي أزقتها وأجوائها الشعبية الأولى تفتحت مداركه على اللغة والحكاية والموروث الشعبي، وهي عناصر ستظل حاضرة في شعره لاحقاً بصور مختلفة. أكمل دراسته الجامعية في كلية التربية بجامعة بغداد، وتخرج عام 1968 حاصلاً على شهادة البكالوريوس في اللغة العربية وآدابها، الأمر الذي أتاح له الاطلاع العميق على التراث العربي القديم والاتجاهات الأدبية الحديثة معاً.
بدأ حياته المهنية في مجال التعليم، غير أن شغفه بالثقافة والعمل العام دفعه إلى الانتقال إلى الحقل الصحفي والثقافي منذ أواخر ستينيات القرن الماضي، حيث تقلد عدداً من المناصب الثقافية والإعلامية المهمة داخل العراق وخارجه. عمل مستشاراً صحفياً في السفارتين العراقيتين في مدريد والرباط، ثم تولى رئاسة مجلس إدارة دار الثورة للصحافة ورئاسة تحرير صحيفة الثورة بين عامي 1982 و1991، كما شغل منصب المستشار الثقافي في ديوان رئاسة الجمهورية، وتولى رئاسة مجلس أمناء بيت الحكمة حتى عام 2003.
ولم يقتصر حضوره على الجانب الإداري والثقافي، بل امتد إلى العمل النقابي والأدبي العربي، إذ انتُخب أميناً لسر الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق، ثم رئيساً له، كما انتُخب أميناً عاماً لاتحاد الكتاب العرب لدورتين متتاليتين، وهو ما يعكس حجم الثقة التي حظي بها في الأوساط الأدبية العربية. وبعد عام 2003 انتقل إلى المملكة الأردنية الهاشمية واستقر في العاصمة عمّان، حيث واصل نشاطه الثقافي والإبداعي، وظل اسمه حاضراً في المشهد الشعري العربي من خلال الندوات والمؤتمرات والإصدارات الجديدة.
تكشف تجربة حميد سعيد الشعرية عن شاعرٍ لم يكتفِ بالانتماء إلى مدرسة شعرية محددة، بل سعى إلى بناء مشروعه الخاص القائم على الانفتاح على الحياة بكل تجلياتها. وقد عبّر عن هذه الرؤية عندما أكد أن مرجعيات الإبداع هي مرجعيات الحياة نفسها، وأن حصر الإبداع في مرجعية واحدة يفقده جوهره وحيويته. ومن هنا جاءت قصائده حافلة بالتنوع والتجريب والانفتاح على التاريخ والأسطورة والذاكرة والتراث والواقع السياسي والاجتماعي.
أما بداياته الشعرية فقد ارتبطت بمحاولات مبكرة لتقليد الأهازيج الشعبية التي كان يسمعها في طفولته، ثم تطورت هذه المحاولات خلال مراحل الدراسة المختلفة. وفي سنوات شبابه تأثر بالشعراء المهجريين أمثال جبران خليل جبران وإيليا أبو ماضي وميخائيل نعيمة، فانعكس هذا التأثر في نزوعه إلى التأمل الإنساني والبعد الروحي والاحتفاء بالحرية والجمال. غير أن تجربته سرعان ما تجاوزت حدود التأثر لتصوغ لنفسها لغتها الخاصة ورؤيتها المتميزة.
وتتميز قصيدة حميد سعيد بقدرتها على الجمع بين الحس الغنائي والتأمل الفكري، وبين الانتماء إلى الواقع والانفتاح على آفاق الرمز والأسطورة. فالقصيدة عنده ليست مجرد بناء لغوي أو تشكيل جمالي، بل هي موقف من الحياة ورؤية للعالم ومحاولة دائمة لفهم الإنسان في صراعه مع الزمن والمكان والتحولات التاريخية. لذلك نجد الوطن حاضراً بقوة في شعره، كما نجد المنفى والاغتراب والذاكرة والثقافة العربية والإسلامية عناصر متكررة تشكل نسيج تجربته الشعرية.
وعلى امتداد مسيرته الإبداعية أصدر حميد سعيد عدداً كبيراً من الدواوين الشعرية التي شكلت محطات بارزة في تطور تجربته الفنية، من بينها: "شواطئ لم تعرف الدفء" (1968)، و"لغة الأبراج الطينية" (1970)، و"قراءة ثامنة" (1972)، و"الأغاني الغجرية" (1975)، و"حرائق الحضور" (1978)، و"طفولة الماء" (1985)، و"بستان عبد الله" أو "مملكة عبد الله" (1986)، و"باتجاه أفق أوسع" (1991)، و"فوضى في غير عنوانها" (1996)، و"من وردة الكتابة إلى غابة الرماد" (2005)، و"أولئك أصحابي" (2015)، و"نجمة بعد حين" (2022)، فضلاً عن صدور أعماله الشعرية الكاملة في أكثر من مجلد.
ولم يقتصر عطاؤه على الشعر وحده، بل امتد إلى الدراسات الفكرية والنقدية والثقافية، فأصدر كتباً مهمة مثل "الكشف عن أسرار القصيدة"، و"المكان في تضاريس الذاكرة"، و"الكتابة ومآلاتها"، و"أوراق الحرب"، و"ذاكرة لا"، و"عشرون رسالة ورسالة" بالاشتراك مع الشاعر سامي مهدي. كما كتب في قضايا الفكر والسياسة، ومن مؤلفاته في هذا المجال "السياسة والتراث"، و"الديمقراطية والاستقلالية"، و"المنازلة الكبرى: المقدمات والنتائج"، وهي أعمال تكشف عن اهتمامه بالشأن الثقافي والفكري إلى جانب اهتمامه بالشعر.
وقد حظي حميد سعيد بتقدير واسع على المستويين العربي والدولي، فحصل على عدد من الجوائز والأوسمة المهمة، من أبرزها وسام القدس الذي منحه إياه الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات عام 1990، ووسام الاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب عام 2004، كما تُوّج مساره الإبداعي بحصوله على جائزة سلطان بن علي العويس الثقافية في حقل الشعر العربي عام 2025، وهي من أرفع الجوائز الأدبية العربية وأكثرها مكانة.
إن الحديث عن حميد سعيد هو حديث عن تجربة ثقافية متكاملة جمعت بين الإبداع الشعري والعمل الثقافي والفكري والنقابي، وعن شاعر استطاع أن يحول القصيدة إلى مساحة رحبة للحوار مع الذات والتاريخ والوطن. فقد ظل وفياً للكلمة بوصفها رسالة ومسؤولية، وحافظ على حضوره الإبداعي رغم التحولات العاصفة التي شهدها العراق والمنطقة العربية. ومن ثم فإن مكانته لا تنبع من كثرة إنتاجه فحسب، بل من قدرته على تجديد أدواته الفنية وتوسيع أفق تجربته باستمرار، حتى غدا اسماً بارزاً في سجل الشعر العربي الحديث، وصوتاً من الأصوات التي أسهمت في تشكيل الوعي الثقافي العربي المعاصر.
وبذلك يمثل حميد سعيد نموذجاً للمثقف العربي الذي جمع بين الالتزام بقضايا أمته والانشغال بأسئلة الإنسان الكبرى، وبين الوفاء للتراث والانفتاح على الحداثة، الأمر الذي جعل من تجربته الإبداعية علامة مضيئة في تاريخ الأدب العربي الحديث، ومصدراً مهماً للدراسة والبحث والتأمل.