حميد المحل… ريشة ساخرة
صوتٌ فكاهي في ذاكرة الفن
جواد الرميثي
يُعد الفنان حميد محمد المحل واحداً من الأسماء المتعددة المواهب في تاريخ الفن والثقافة العراقية ، فقد جمع بين الرسم الكاريكاتيري والصحافة الساخرة والتمثيل ، ليترك بصمة مميزة في أكثر من مجال فني وإعلامي . ومن خلال مسيرته الطويلة ، استطاع أن يكون شاهداً على مرحلة مهمة من تطور الفن والصحافة في العراق خلال النصف الثاني من القرن العشرين .
وُلد المحل في مدينة الخالص بمحافظة ديالى عام 1930، ونشأ في بيئة عراقية أصيلة ، قبل أن ينتقل إلى بغداد حيث أكمل دراسته الابتدائية والمتوسطة. ومنذ سنواته المبكرة ظهرت ميوله الفنية ، فالتحق بدار المعلمين الابتدائية ثم بمعهد الفنون الجميلة في بغداد ، حيث تخرج عام 1946 من قسم الفنون التشكيلية . وفي العام نفسه واصل دراسته الأكاديمية بالالتحاق بكلية الصحافة في القاهرة ، في خطوة تعكس اهتمامه المبكر بالعمل الصحفي إلى جانب الفن التشكيلي .لم تتوقف طموحات المحل عند هذا الحد ، إذ شدّ الرحال إلى العاصمة الفرنسية باريس عام 1952 ليلتحق بالكلية الوطنية العليا للفنون الجميلة (الأكاديمية المعروفة بـ “البوزار”) . وهناك حصل على الدبلوم العالي في الفنون التشكيلية ، وتميز بين أقرانه من الطلبة ، فنال جوائز وأوسمة عدة نتيجة مشاركته في المسابقات الفنية التي أقيمت في فرنسا . كما شارك في معارض فنية في باريس وعدد من المعارض العالمية ، ونشرت بعض المجلات والصحف العالمية أعماله الكاريكاتيرية خلال تلك الفترة ، ما أتاح له حضوراً مبكراً في المشهد الفني الدولي .وعند عودته إلى العراق ، بدأ مرحلة جديدة من العطاء ، فعمل مدرساً في معهد الفنون الجميلة صباحاً ، فيما تولى رئاسة قسم الديكور في تلفزيون بغداد مساءً . وفي الوقت نفسه واصل نشاطه الصحفي ، فبرز اسمه كرسام كاريكاتير لاذع في الصحافة الساخرة ، وتولى رئاسة تحرير عدد من الصحف والمجلات الفكاهية ، من بينها:مجلة صندوق الدنيا (1958 – 1962)، مجلة الفكاهة (1963 – 1971)، ومجلة المتفرج (1965 – 1968) .كما نشر رسومه ومقالاته الساخرة في العديد من الصحف والمجلات العراقية ، مثل: قرندل لصادق الأزدي ، وقزموز لقاسم راجي ، فضلاً عن صحف الزهراء ، الحصون ، الصاعقة لهاشم نوري ، والوادي لخالد الدرة ، إضافة إلى صحف الآراء ، الأوقات البغدادية ، الفلقة الفكاهية ، هنا بغداد ، النور وغيرها من المنابر الصحفية التي كانت تحتفي بالفن الساخر في تلك الحقبة .ولم يقتصر نشاط المحل على الكاريكاتير السياسي والاجتماعي ، بل كان له حضور مهم في صحافة الطفل ، إذ أصدر تجربته الصحفية المتميزة “صندوق الدنيا” التي استمرت بين عامي 1965 و1985، وقدمت مادة صحفية تجمع بين الحكاية والرسوم الكاريكاتيرية الهادفة ، لتصبح تجربة رائدة في الصحافة الموجهة للصغار .
وفي جانب آخر من مسيرته ، برز المحل كممثل فكاهي ، وكان عضواً في فرقة الزبانية التي تأسست عام 1948 والذي كان عميدها الحاج ناجي الراوي . وضمت الفرقة نخبة من الفنانين ، منهم ناظم الغزالي ومحمد القيسي ومحمد الخاصكي وحامد الأطرقجي ومحمود قطان.
واشتهر المحل من خلال دوره الكوميدي “عواد الأخرس” في التمثيليات الإذاعية والتلفزيونية التي قدمتها الفرقة ، وهي شخصية نالت شعبية واسعة لدى الجمهور .كما شارك مع الفرقة في تقديم برنامج القوات المسلحة الذي كان يُبث صباح كل يوم جمعة بمشاركة عدد من الموهوبين من أفراد الجيش العراقي . وفي عام 1948 سافر مع فرقة الزبانية إلى فلسطين لتقديم عروض فنية ترفيهية للجيش العراقي المرابط هناك آنذاك .
وفي إطار اهتمامه بالقضايا القومية ، أصدر كراساً كاريكاتيرياً بعنوان “شوف عندك يا سلام” تضمن رسوماً انتقادية تناولت فضائع الصهيونية بأسلوب ساخر هادف . كما شارك مع فرقة الزبانية في عدد من البرامج الإذاعية والتلفزيونية مثل “فتاح فال” و“مختار الطرف” و“حسقيل أبو شذر” و“تعال نتفاهم” وغيرها من الأعمال التي كانت تحظى بمتابعة واسعة في ذلك الوقت .
أما في مجال السينما ، فقد شارك في فيلمين عراقيين هما: “مشروع زواج” للمخرج كاميران حسني، و“شايف خير” للمخرج محمد شكري جميل . وخلال فترة إقامته في باريس كان يعمل أيضاً على دبلجة الأفلام الفرنسية إلى اللغة العربية لعرضها في البلدان العربية ، ما يعكس تنوع خبراته الفنية والإعلامية .ورغم هذا التاريخ الحافل بالعطاء في مجالات الفن والصحافة والتمثيل ، لا تتوفر مصادر دقيقة تشير إلى تاريخ وفاته ، إلا أن اسمه بقي حاضراً في ذاكرة الفن العراقي بوصفه أحد رواد الكاريكاتير والصحافة الساخرة والتمثيل الإذاعي والتلفزيوني .لقد كان المحل نموذجاً للفنان الموسوعي الذي جمع بين الريشة الساخرة والصوت الكوميدي والعمل الصحفي ، فترك إرثاً فنياً وإعلامياً يستحق التوثيق والاحتفاء في تاريخ الثقافة العراقية .