صراع الوجود في أرض الغربة
ماهر نصرت
إن أصعب ما يواجه الإنسان في حياته هو أن يترك وطنه الذي نشأ فيه ليعيش في بلاد غريبة تختلف عنه في كل شيء حيث يجد المغترب العراقي والعربي نفسه في مواجهة حتمية بين ما يحمله من دين وتقاليد وبين واقع ومبادئ المجتمع الجديد الذي انتقل إليه .
يخرج المغترب من بلده وهو متمسك بدينه والتقاليد الأصيلة والروابط الأسرية القوية التي تربى عليها ، وهذه المبادئ ليست مجرد عادات عابرة ، بل هي أساس حياته وطمأنته النفسية والاجتماعية الذي كبر معها وعاش عليها طوال مافات من عمره .
وعندما يصل إلى بلاد الغرب يجد عالماً يقدس الحرية الشخصية الكاملة ويفصل الدين عن الحياة العامة وهنا تبدأ المعاناة الحقيقية في محاولة التوفيق والعيش المتوازن بين التمسك بالجذور والأصول وبين ضرورة التأقلم والاندماج مع المجتمع الجديد وكسب لقمة العيش .تتعمق هذه الاشكالية مع مرور الوقت حيث لا تبقى مجرد صدمة ثقافية اولى بل تتحول الى حالة يومية يعيشها الفرد في تفاصيل صغيرة وكبيرة على حدٍ سواء ، فطريقة التعامل في العمل وطبيعة العلاقات الاجتماعية وحتى اسلوب تربية الابناء كلها تصبح ساحات اختلاف مستمر بين ما تربى عليه الانسان وما يفرضه الواقع الجديد من انماط سلوك مختلفة ، ومع تراكم التجربة يبدأ المغترب في بناء منطقة وسطى خاصة به يحاول من خلالها خلق توازن دقيق بين الحفاظ على هويته الاصلية وبين احترام القوانين والعادات السائدة في المجتمع الذي يعيش فيه ، الا ان هذا التوازن ليس ثابتا بل هو حالة متغيرة تتأثر بالظروف المحيطة وبمدى قوة ارتباطه بجذوره من جهة وبمدى اندماجه في البيئة الجديدة من جهة اخرى ، كما تظهر تحديات اضافية تتعلق بالأسرة خصوصاً عندما يكبر الابناء في بيئة تختلف عن بيئة الاباء فهنا يتشكل نوع من التضارب في القيم والتصورات وقد ينشأ عنه حوار مستمر او احياناً فجوة في الفهم بين الاجيال داخل البيت الواحد مما يزيد من تعقيد تجربة الاغتراب ويجعلها اكثر حساسية وصدام ، وفي النهاية تبقى تجربة العيش خارج الوطن تجربة انسانية مركبة تحمل في داخلها قدراً من الالم ، وتفرض على الانسان ان يعيد تعريف ذاته باستمرار في ضوء هذا التداخل بين الاصل الذي تربى عليه والواقع الجديد المشتت.