التلوّث الإشعاعي إرث الحروب يهدّد الحياة
جهود حكومية تصطدم بتحدّيات معقّدة
نور معاذ
ما يزال ملف التلوث الإشعاعي في العراق يطرح تساؤلات مقلقة حول مدى تأثير مخلفات الحروب على صحة الإنسان والبيئة، في وقت تؤكد فيه الجهات الرسمية تحقيق تقدم ملحوظ في إزالة التلوث، مقابل تحذيرات من خبراء بشأن مخاطر مستمرة ونواقص في المعالجة.
تتعامل هيئة الطاقة الذرية العراقية مع هذا الملف بوصفه أحد أكثر القضايا الوطنية حساسية، إذ يؤكد نائب رئيس الهيئة، الدكتور منير كاظم محسن، أن الحكومة أطلقت مشروعاً وطنياً شاملاً لإزالة التلوث الإشعاعي، أسفر عن إعلان خلو عشرات المواقع من الملوثات خلال فترة وجيزة. وشملت عمليات المعالجة مواقع متعددة في بغداد وذي قار وصلاح الدين والأنبار، فضلاً عن منشآت داخل موقع التويثة.
ويضيف محسن أن الهيئة اعتمدت منهجاً علمياً في المعالجة، عبر تنفيذ مسوحات إشعاعية ميدانية باستخدام أجهزة مطابقة للمعايير الدولية، إلى جانب تطهير التربة والآليات الملوثة، ونقل النفايات إلى مواقع آمنة. كما يجري العمل بالتنسيق مع جهات محلية ودولية، أبرزها الوكالة الدولية للطاقة الذرية، لضمان تطبيق بروتوكولات الخزن والنقل المعتمدة.
تحديات كبيرة
ورغم هذه الجهود، يقر المسؤول بوجود تحديات كبيرة، أبرزها محدودية التمويل وتعقيد الإرث الإشعاعي الناتج عن الحروب، ما يستدعي استكمال المسوحات الوطنية، وإنشاء مرافق متقدمة لإدارة النفايات، وتعزيز التعاون الدولي وبناء كوادر متخصصة.
من الجانب الصحي، يحذر أخصائي الأشعة والأورام الدكتور عوف سليمان من أن التعرض للإشعاع يؤثر بشكل مباشر على المادة الوراثية داخل الخلايا، وقد يؤدي إلى أعراض فورية في حال الجرعات العالية، مثل الغثيان والتعب، أو إلى مخاطر بعيدة المدى، أبرزها زيادة احتمالية الإصابة بأنواع مختلفة من السرطان، منها سرطان الغدة الدرقية واللوكيميا وسرطان الرئة والثدي. لكنه يشير في الوقت نفسه إلى أن التعرض لا يعني بالضرورة الإصابة، بل يرفع احتمالية حدوثها.
في المقابل، تقدم خبيرة التلوث البيئي الدكتورة إقبال لطيف جابر رؤية أكثر انتقاداً، إذ ترى أن المعالجات لم تحظَ بالدعم الدولي الكافي، مشيرة إلى أن حجم التلوث الإشعاعي في بعض المناطق لم يُفحص بشكل شامل بعد عام 2003. وتؤكد أن التلوث الناتج عن استخدام اليورانيوم المنضب والأسلحة المختلفة أدى إلى آثار بيئية خطيرة، شملت تلوث التربة والمياه والهواء، ما انعكس على الأمن الغذائي والصحي.
وتوضح جابر أن عمليات الكشف تعتمد على أجهزة متخصصة مثل عدادات غايغر ومطيافية أشعة غاما، حيث يتم تحليل عينات التربة والمياه والنباتات لتحديد مستويات الإشعاع. وتشير إلى أن المواد المشعة غالباً ما تتركز في الطبقات السطحية من التربة، لكنها قد تنتقل إلى أعماق أكبر بفعل العوامل الطبيعية، أو تدخل السلسلة الغذائية، ما يزيد من خطورتها على الإنسان.
بدوره، يؤكد عضو “مرصد العراق الأخضر” عمر عبد العزيز أن التلوث الإشعاعي في العراق يعود إلى حرب عام 1991، وتفاقم بعد 2003، حيث تأثرت محافظات عدة، خصوصاً في الجنوب. ورغم إعلان بعض المناطق خالية من التلوث، إلا أن مناطق أخرى ما تزال تعاني من بقايا إشعاعية.
ويشير إلى أن عمليات المعالجة تمت بجهود عراقية، لكنها تواجه تحديين رئيسيين: إيجاد مواقع آمنة لطمر النفايات، وتسريع عمليات التطهير لمنع انتشار التلوث، خاصة مع تسجيل حالات نقل مواد ملوثة من قبل بعض المواطنين.
مراكز بحثية
في السياق ذاته، تؤكد تقارير صحية رسمية الحاجة إلى مراكز بحثية متقدمة لدراسة أسباب ارتفاع معدلات الإصابة بالسرطان، والتي ارتفعت بنسبة ملحوظة خلال العقود الماضية، في ظل وجود عوامل متعددة، من بينها التلوث البيئي، إلى جانب أنماط الحياة غير الصحية.
وبينما تتقاطع الآراء بين التفاؤل الرسمي والتحذيرات العلمية، يبقى ملف التلوث الإشعاعي في العراق مفتوحاً على تحديات معقدة، تتطلب جهوداً مستمرة وتعاوناً دولياً أوسع، لضمان حماية الإنسان والبيئة من آثار قد تمتد لأجيال قادمة.