الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
إبراهيم صالح شكر قامة عراقية.. سيرة صحفي عاش للحرية والكلمة

بواسطة azzaman

إبراهيم صالح شكر قامة عراقية.. سيرة صحفي عاش للحرية والكلمة

محمد علي محيي الدين

 

يُعدّ إبراهيم صالح شكر (1893–1944م) واحدًا من الرواد الأوائل الذين أسهموا في وضع اللبنات الأولى للصحافة العراقية، وكان من أولئك الذين حملوا القلم سلاحًا في زمنٍ كانت الكلمة فيه محفوفة بالمخاطر. عاش حياته بين شغف الأدب، وهمّ الصحافة، وحرارة الموقف الوطني، فكان مثالاً للكاتب الذي لم يفصل بين قلمه وضميره، ولا بين الكلمة والحرية.

اختلفت المصادر في تحديد سنة ولادته؛ فالتاريخ المثبت في دفتر خدمته، بخط يده، يشير إلى عام 1896، في حين يذكر جواز سفره، أنه وُلد عام 1893 في بغداد، في منطقة باب الشيخ، في محلة عُرفت باسم قهوة شكر. وهو إبراهيم بن أحمد صالح بن شكر الكُرْوي القيسي، وتنتمي أسرته إلى عشيرة الكروية، إحدى عشائر قبيلة قيس العدنانية العربية.

نشأ إبراهيم في بيتٍ عُرف بالوجاهة الاجتماعية والخدمة العامة؛ فقد كان والده مختارًا لمحلة قهوة شكر، وهي المحلة التي سُمّيت باسم جده شكر. وقد أولاه والداه عناية خاصة، إذ كان ابنهما الوحيد بعد أن فقدا أربعة أبناء قبله، فكبر محاطًا برعاية فائقة، حتى إنهما تركا ضفيرة شعره تنمو حتى بلغ الحادية عشرة من عمره، إيذانًا ببلوغه سنّ الدراسة. بدأ تعليمه في الكتاتيب، فالتحق بكتاب الملا جمعة في جامع قهوة شكر، حيث تلقى مبادئ القراءة والكتابة وتلاوة القرآن الكريم. ثم انتقل إلى كتاتيب جوامع أخرى، فدرس على يد العلامة محمود شكري الآلوسي في جامع الحيدرخانة، ثم عند عبد الوهاب النائب في جامع الفضل، وكان من زملائه هناك عبد الكريم العلاف. وبعد ذلك قصد كتاب جامع العاقولية ليدرس على يد عبد الجليل آل جميل، ثم عند نجم الدين الواعظ في جامع العادلية، حيث زامله خالد القشطيني. وفي هذه الحلقات العلمية تفتحت مداركه على علوم العربية من نحو وصرف وبلاغة، إلى جانب الفقه والأدب وتلاوة القرآن، وهي معارف تركت أثرها الواضح في أسلوبه الكتابي وصياغته اللغوية.

لكن شبابه المبكر لم يخلُ من المحن. فقبل أن يبلغ العشرين من عمره اجتاح وباء الطاعون مدينة بغداد، فحصد أرواحًا كثيرة، وكان من بين ضحاياه ثلاثة من أفراد أسرته: والده ووالدته وجدته لأمه، فلم يبق له سوى شقيقته الصغيرة زبيدة. ولم تكد تمرّ تلك الفاجعة حتى واجه محنة أخرى؛ ففي ليلة الثالث من تشرين الثاني عام 1915 اعتقلته السلطات العثمانية مع ستين شابًا من أبناء بغداد، بعد أن أوغروا صدر الوالي شفيق بك بحماستهم للقضية العربية وسعيهم للاستقلال. فنُفوا إلى الأناضول، وساقهم الحرس بالقطار إلى سامراء، ثم على ظهور الحمير إلى الموصل. وقد كُلّف إبراهيم أثناء الرحلة بالإشراف على نقل المنفيين من سامراء إلى الموصل، بعد أن خُفف الحكم على بعضهم ليقتصر على النفي إلى الموصل، وكان منهم. قضى هناك أربعة أشهر، كان خلالها يكاتب أقاربه في بغداد ليبعثوا إليه بما يسد حاجته من المال.

موضوعات أدبية

عاد إلى بغداد مرتديًا العمامة والجبة، فاختاره أهل محلة قهوة شكر مختارًا لهم خلفًا لوالده. وكان مثالاً للنزاهة والاستقامة؛ إذ عُرف بأنه يقدم خدمات المختارية لأهل محلته من دون مقابل، ويرفض الهدايا مهما كانت مغرية. وقد رُوي أنه رفض قطعة أرض في لواء ديالى عرضها عليه أحدهم مقابل توقيع يخلّصه من دعوى قضائية، فآثر النزاهة على المنفعة.غير أن ميوله الحقيقية كانت تتجه نحو الصحافة والأدب. فقد بدأ عمله الصحفي في جريدة بين النهرين التي أصدرها محمد كامل الطبقجلي عام 1909، ثم كتب في جريدة النوادر التي أصدرها محمود الوهيب سنة 1911، وكان يرفد صفحاتهما بموضوعات أدبية. وبعد ذلك أصبح محررًا في مجلة الرياحين التي أصدرها إبراهيم منيب الباجه جي عام 1913.وفي العام نفسه خطا أولى خطواته الاستقلالية في عالم الصحافة، فأصدر مجلة أدبية أسماها شمس المعارف، صدر منها ثمانية عشر عددًا، وقد دلّ ذلك على طموحه المبكر إلى تأسيس منبر ثقافي خاص به. ثم أصدر عام 1921 مجلة شهرية حملت اسم جماعة الناشئة، جعلها منبرًا للأدب العراقي، فكتب فيها عدد من الأدباء المعروفين مثل محمد رضا الشبيبي، ومحمد بهجة الأثري، ورفائيل بطي، وعبد الحسين الأزري، وسلمان الشيخ داود، وغيرهم، كما نشرت شعر جميل صدقي الزهاوي، ومقالات لجبران خليل جبران والمنفلوطي. غير أن المجلة لم تعمّر طويلاً، إذ عُطلت بعد ثلاثة أعداد.

لم يستسلم لذلك، فعاد في عام 1922 ليصدر جريدة أسبوعية باسم الناشئة الجديدة، وكانت بداية دخوله في ميدان الكتابة السياسية. تعرضت الجريدة للتعطيل أكثر من مرة، بل أوقفها بنفسه بعد تعرضه لاعتداء قرب بيت لنج في شارع الرشيد، قيل إن بعض السياسيين كانوا وراءه. وفي الرابع من أيار 1924 شارك رفائيل بطي في إصدار جريدة الربيع وعمل رئيسًا لتحريرها، غير أن الحكومة عطلتها بعد صدور عددها الأول. كما كتب في جريدة الأدب التي أصدرها محمد باقر الحلي عام 1924، وفي جريدة الفضيلة لعبد الرزاق الحسني عام 1925، وفي جريدة التجدد لمحمود الملاح عام 1930.

غير أن تجربته الأبرز في الصحافة السياسية تجلت عندما أصدر في 11 تموز 1927 جريدته الزمان، وهي جريدة أسبوعية كتب تحت عنوانها: “يومية أدبية سياسية اجتماعية انتقادية”. وكان صاحبها ورئيس تحريرها، وهو أول من أصدر جريدة في العراق بهذا الاسم. لم تعش الجريدة طويلاً، فقد صدر منها أربعة وأربعون عددًا، وتعرضت للتعطيل مرات عدة بقرارات حكومية، مرة في عهد جعفر العسكري، وأخرى في عهد عبد المحسن السعدون، وثالثة بطلب من المندوب السامي البريطاني.

وفي صفحات الزمان خاض إبراهيم صالح شكر معركة فكرية وسياسية صريحة، فهاجم الانتداب البريطاني ومعاهداته، وانتقد أعوانه في العراق، ودعا إلى حرية الصحافة والتعبير، وطالب بالتجنيد الإجباري، وإحلال العراقيين محل الأجانب في الوظائف الحكومية. كما وقف مع الطلبة المتظاهرين ضد زيارة الصهيوني الفرد موند، وانتقد ساطع الحصري بسبب استقدامه مدرسين أجانب لتدريس التاريخ والجغرافية، مطالبًا بإسناد هذه المهمة إلى المعلمين العراقيين.

وقد خاض تجربة العمل السياسي حين رشح نفسه لانتخابات المجلس النيابي في 30 آذار 1928 عن منطقة باب الشيخ. فاز في المرحلة الأولى من الانتخابات، غير أن تدخلات الحكومة في المرحلة الثانية حالت دون وصوله إلى المجلس، فلم يعاود المحاولة بعدها، مفضلاً العودة إلى ميدانه الأثير: الصحافة.

مناصب ادارية

إلى جانب نشاطه الصحفي، خدم إبراهيم صالح شكر في الوظيفة العامة ثلاث عشرة سنة وثمانية وعشرين يومًا، تنقل خلالها بين عدد من المناصب الإدارية، فعمل مديرًا لتحريرات لواء الحلة، ثم لواء بغداد، ووكيلًا لمدير ناحية شهربان، ثم مديرًا لها. كما تولـــــــى إدارة نواحي قزلرباط وتــــــــــكريت وشهربان، ثم أصـــــــبح قائمــقامًا لعدد من الأقـضـــية مثل شــــــهربان وقلعة صـــــــــالح والهاشـــــــــــــمية والـــــــــصويرة وسامراء وخانقين والمــــــــــــــــحمودية والـــــــــــــــــفلوجة والكاظمية. كذلك عمل في وزارة الداخلية ملاحظًا ثم سكرتيرًا للمكتب الخاص حين كان رشيد عالي الكيلاني وزيرًا للداخلية في حكومة ياسين الهاشمي.ومن آثاره الصحفية إصدار عدد من الجرائد والمجلات، منها شمس المعارف (1913)، والناشئة الجديدة (1921)، والثغر في البصرة (1927)، والزمان (1927)، فضلًا عن مقالات كثيرة طبعت بعضها وزارة الثقافة والإعلام العراقية.وفي سنواته الأخيرة أثقل المرض جسده؛ فقد ابتُلي بمرض السكري وداء السل، فاجتمعا عليه وأضعفا قواه. وحين شعر بدنو أجله كتب رسالة مؤثرة إلى صديقه الأديب أمين نخلة في بيروت، يرثي فيها نفسه ويطلب منه أن يستعد لرثائه. وفي مساء الخامس عشر من أيار عام 1944 أسلم الروح، ودُفن في مقبرة الغزالي في بغداد، عن عمر ناهز الخمسين عامًا.

وهكذا انطفأت حياة رجل عاش بين قسوة المآسي وجموح الأحلام، لكنه ظل وفيًّا لقلمه ووطنه حتى اللحظة الأخيرة، تاركًا وراءه صفحة مضيئة في تاريخ الصــــــــــحافة العراقيــــــــة، وذكرى صحفي آمن بأن الكلمة الحرة قادرة على أن تصنع التاريخ.


مشاهدات 61
الكاتب محمد علي محيي الدين
أضيف 2026/03/25 - 4:35 PM
آخر تحديث 2026/03/26 - 1:24 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 79 الشهر 21009 الكلي 15213077
الوقت الآن
الخميس 2026/3/26 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير