الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الأمل المعلّق

بواسطة azzaman

الأمل المعلّق

ثامر محمود مراد

 

في زمنٍ تتداخل فيه الخرائط كما تتداخل الظلال عند المغيب، لم تعد الحروب تُخاض بالسيوف وحدها، بل بالصبر، بالحصار، وبالوقت الذي يُدار كأنه سلاحٌ خفيّ. هناك، عند تخوم المياه الدافئة، حيث تضيق الممرات وتتعاظم الأهمية، بدا المشهد وكأن العالم قد حُشر في زجاجةٍ شفافة، يُراقب أنفاسه وهو يترقب: من سيكسر الصمت أولًا؟

لم يكن الحصار مجرد طوقٍ يُضرب حول الجغرافيا، بل كان اختبارًا لإرادةٍ متقابلة؛ طرفٌ يملك الزمن لكنه يخشاه، وآخر يفتقر إليه لكنه يراهن عليه. بينهما، اتفاقٌ يُكتب بالحبر الظاهر، وتُمحى حقيقته في الهوامش غير المقروءة. مصافحةٌ تُعرض قبل أن تجف الدماء، وهدنةٌ تُمدّد لا حبًا بالسلام، بل عجزًا عن إشعال النار في توقيتها المناسب.

في هذا المشهد، لم تكن القرارات تُصنع في القاعات المعلنة، بل في العيون التي لا تنام، وفي العقول التي تحسب احتمالات الانفجار كما يحسب الصياد حركة المدّ. هناك من يرى أن الحرب مؤجلة لا ملغاة، وأن السفن التي تملأ الأفق ليست إلا أهدافًا مؤجلة، تنتظر إشارةً واحدة لتتحول من قوةٍ عائمة إلى عبءٍ غارق.

الهدوء الذي يسبق العاصفة ليس دائمًا خدعة، بل أحيانًا يكون اتفاقًا ضمنيًا على تأجيل الانفجار. فكل طرفٍ يعرف أن الخطأ الأول سيُكتب عليه، وأن الرصاصة الأولى ليست مجرد بداية، بل اعترافٌ بالخسارة قبل أن تُحسم النتائج. لذلك، تُراقب المياه، وتُحصى الأنفاس، وتُقرأ التحركات كما تُقرأ الطلاسم القديمة.

غير أن ما يجري في العلن ليس سوى قشرةٍ رقيقة، تخفي تحتها صراعًا أعمق: صراع القرار ذاته. من يملك الكلمة؟ من يرسم النهاية؟ هل هي السياسة التي تتقن لغة التنازلات، أم البندقية التي لا تعرف إلا الحسم؟ هنا، يتشقق المشهد، وتظهر التصدعات في الداخل قبل الخارج، حيث يصبح الاتفاق هشًا كزجاجٍ موضوع على حافة الريح.

وفي مكانٍ آخر من الحكاية، تقف القوى الكبرى كمن يحرّك رقعة الشطرنج بيدٍ باردة، لا يعنيه سقوط الجنود بقدر ما يعنيه موقع الملك. تُدار الأزمات لا لحلّها، بل لإبقائها ضمن حدودٍ يمكن التحكم بها، حيث تستمر اللعبة دون أن تنتهي، وتُستهلك الأطراف دون أن تنتصر.

أما الشعوب، فهي التي تدفع ثمن هذا التوازن المختل، تُستدعى إلى مشهدٍ لم تكتبه، وتُحاسب على نتائج لم تخترها. ومع ذلك، يبقى الأمل معلقًا، كضوءٍ خافت في آخر النفق، بأن السلام—إن جاء—لن يكون مجرد هدنةٍ أخرى، بل بدايةً لمرحلةٍ تُستعاد فيها الكرامة قبل الاستقرار.

وهكذا، يبقى السؤال معلقًا في الهواء: هل نحن أمام نهاية حرب، أم مجرد استراحةٍ بين فصلين؟ الواقع يهمس بأن ما لم يُحسم اليوم، سيعود غدًا بثوبٍ مختلف، وبقصةٍ تُكتب من جديد، لكن بأبطالٍ أكثر تعبًا… وأقلّ قدرة على الانتظار.

 

 

 


مشاهدات 55
الكاتب ثامر محمود مراد
أضيف 2026/04/26 - 3:49 PM
آخر تحديث 2026/04/27 - 12:54 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 36 الشهر 23288 الكلي 15241361
الوقت الآن
الإثنين 2026/4/27 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير