الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
لماذا إنتصرت البابونج على بقية الأزهار؟

بواسطة azzaman

لماذا إنتصرت البابونج على بقية الأزهار؟

حكم ناطق الكاتب

 

كيف يمكن لزهرةٍ صغيرة تنمو بصمتٍ في براري نينوى أن تختصر ذاكرة حضارة وأن تتحول من حضور عابر في الطبيعة إلى علامةٍ تستقر في وعي الإنسان وتعيد تشكيل رؤيته للعالم..؟

سؤالٌ يبدو بسيطاً في مخيلة العقل.. فليست كل الأشكال جديرة بأن تُخلد ولا كل العناصر الطبيعية قادرة على أن تعبر من فضاء الحس إلى فضاء الرمز ومع ذلك حدث هذا التحول بهدوء لافت في تجربة الفنان الآشوري حين توقف عند زهرةٍ بعينها ومنحها ما يشبه الامتياز البصري والدلالي.

في براري نينوى حيث لم تتدخل يد الإنسان في تشكيل الغطاء النباتي.. تنوعت الأزهار البرية التي رافقت الإنسان منذ استقراره الأول في هذه الأرض.. فمن بين هذه الأزهار الشــــقائق (شقائق النعمان) بلونها الأحمر المتوهج، والخبيزة بحضورها القريب من الحياة اليومية، والحميض، والقيصوم، والحرمل، والخرفيش  وغيرها من النباتات التي شكّلت معاً نسيجاً بصرياً غنياً ومفتوحاً على احتمالات لا تنتهي.. هذا التنوع كان بمثابة أرشيف حي للدلالات ومجالاً أولياً لتشكل الحس الجمالي لدى الإنسان.

وسط هذا الامتداد برز البابونج بوصفه اختياراً يكشف عن وعي بصري متقدم لدى الفنان الآشوري.. فبين أزهار تتنافس في كثافة اللون أو تعقيد الشكل.. اتجه إلى زهرة تتسم بالهدوء والتركيب المتوازن ومنحها مكانة تتجاوز حضورها الطبيعي.. هذا الاختيار يعكس قدرة على التمييز بين ما يلفت النظر لحظة وما يستقر في الذاكرة زمناً ابعد وبين ما يُرى وما يمكن أن يتحول إلى علامة.

تتجلى خصوصية هذه الزهرة في بنيتها التي تبدو وكأنها استجابة فطرية لقوانين التصميم .. قرصٌ مركزي واضح تحيط به بتلات موزعة بإيقاع شعاعي منتظم ما يمنحها توازناً بصرياً يقترب من الكمال.. هذا التماثل يوفر للفنان وحدة بنائية قابلة للتكرار دون أن تفقد تماسكها أو دلالتها.. إنه شكل ينسجم مع ميل الإدراك البشري إلى قراءة الكل المتوازن ويتيح إمكانات واسعة للاشتغال ضمن نظم زخرفية قائمة على الإيقاع والتكرار.

غير أنّ قوة البابونج لا تتوقف عند حدوده الشكلية بل تمتد إلى أثره في الجسد والذاكرة..  ففي سياق الآشوريون ارتبط هذا النبات بخبرة علاجية واضحة حيث استُخدم لتهدئة الأعصاب ومعالجة بعض الاضطرابات الجسدية ومع تكرار هذا الاستخدام ترسّخ حضوره في الوعي الجمعي وتحول إلى رمز يرتبط بالراحة والتوازن عند هذه النقطة يلتقي الشكل بالوظيفة ويتحوّل المرئي إلى علامة مشبعة بتجربة حسّية.

ومن زاوية سيميائية.. يمكن قراءة زهرة البابونج كدالّ يتميّز بصفاء تركيبه حيث تتآلف عناصره في نظام بصري واضح يحيل إلى مدلولات تتعلّق بالنقاء والطمأنينة والانسجامهذه العلاقة بين الدال والمدلول تشكلت عبر تراكم الخبرة الإنسانية حيث يصبح الشكل حاملاً لمعنى يتجاوز حدوده الفيزيائية.. بل علامة تنمو من الداخل من تجربة الإنسان مع الطبيعة ثم تعود لتستقرّ في الفن بوصفها تعبيراً عن تلك التجربة.

وإذا ما أُضيف إلى ذلك البعد الأنثروبولوجي فإنّ اختيار هذه الزهرة يكشف عن لحظة تحول في وعي الإنسان من التفاعل المباشر مع الطبيعة إلى إعادة إنتاجها كرمز ثقافي.

لقد انتقل البابونج من كونه نباتاً برياً إلى عنصر يحمل معنى ثم إلى أيقونة تختزل رؤية حضارية كاملة وهذا التحول يعكس قدرة الإنسان الآشوري على التقاط ما هو بسيط في مظهره عميق في دلالته وإدخاله ضمن نظام تمثيلي يعبّرعن هويته.

كما أن ما يمنح هذه الزهرة حضورها المتماسك هو ذلك الانسجام الداخلي الذي يربط بين أجزائها حيث تتوازن العلاقة بين المركز والأطراف ضمن نسب تقترب من مفاهيم التناسق الجمالي التي اشتغل عليها الفن عبر العصور .. هذا التوازن يُدرك كحالة من الراحة البصرية وكأنّ العين تعثر فيه على نظام مألوف يعيد ترتيب الفوضى المحيطة.

وفي المدونات العلاجية التي عُرفت في مدن مثل آشور ونمرود استُخدم البابونج في وصفات تهدف إلى تهدئة الألم وتنظيم الحالة الجسدية كما ارتبط بطقوس تحمل بعداً رمزياً يتجاوز العلاج إلى نوع من التطهير النفسي.. هذا الاستخدام منح الزهرة حضوراً يلامس القداسة وجعلها وسيطاً بين الجسد والروح في آنٍ واحد.

أما في الفن.. فقد انعكس هذا الوعي في المنحوتات الجدارية التي زيّنت قصور نينوى وخورسباد حيث ظهرت البنى الزخرفية المستلهمة من التكوين الشعاعي ضمن الأشرطة التزيينية المحيطة بالمشاهد الكبرى وفي تفاصيل الملابس والتيجان وحتى في الإيقاعات البصرية التي تحكم توزيع العناصر داخل العمل.. لم تكن الزهرة تُنقل كما هي بل كانت تُعاد صياغتها ضمن نظام بصري يعبّر عن فكرة النظام والاكتمال.

بهذا الامتداد، تتكشّف زهرة البابونج بوصفها أكثر من عنصر طبيعي.. إنها نقطة التقاء بين الفن والعلاج.. بين الشكل والمعنى..  بين الطبيعة والرمز. .

ومن خلال هذا الاختيار، استطاع الفنان الآشوري أن يمنح البساطة عمقاً.. وأن يحوّل زهرة برية هادئة إلى أيقونة تختزن في صمتها حكاية حضارة كاملة.

شرح توضيحي للصور اعلاه

صورة لليد اليمنى لأبكالو. يرتدي سوارًا على شكل زهرة البابونج ذات 13 بتلة عند معصمه.

 من القصر الشمالي الغربي في نمرود، بلاد ما بين النهرين، العراق الحالي. العصر الآشوري الحديث، 865-860 قبل الميلاد. معروضة في المتحف البريطاني، لندن.

صورة مقرّبة لسوار على شكل زهرة البابونجتقع زهرة البارونج


مشاهدات 46
أضيف 2026/04/25 - 12:52 PM
آخر تحديث 2026/04/26 - 1:33 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 100 الشهر 22310 الكلي 15240383
الوقت الآن
الأحد 2026/4/26 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير