هاشتاك الناس
شعب يضحك على نفسه
ياس خضير البياتي
في مساءٍ بغداديٍّ ثقيل، وبينما كنت أعبر جسر الأحرار، شعرت أن أحدًا يسير بجانبي. التفتُّ فلم أرَ أحدًا، لكن صوتًا عجوزًا خرج من بين حجارة الجسر:ـ هل تعرفني؟قلت: لا. قال: أنا بغداد التي كانت ترتجف إذا ارتفع سعر البنزين فلسًا واحدًا.
ثم ظهر رجل ببدلة خمسينية وصحيفة صفراء، وقال: هنا كنا نقف. قلت: لماذا؟قال: لأن الحكومة رفعت السعر فلسًا واحدًا. ضحكتُ ظانًّا أنه يمزح، لكنه قال دون ضحك: خرجت بغداد كلها يومها؛ الطلاب والعمال والموظفون وباعة الشاي وسائقو الأجرة، حتى من لا يملكون سيارات. كانوا يرون في الفلس وطنًا يُسرق غدًا. ثم أضاف: أما أنتم… فقد سُرق الوطن كله ولم يخرج أحد.
ثم جاء رجل من زمن الجمهورية الأولى، يحمل رغيفًا يابسًا، وقال: كنا نخرج إذا ارتفع الخبز تفاليس، وإذا شعرنا أن العراق في خطر. ثم سأل: أين الناس الآن؟لم أعرف ماذا أجيب. فالناس موجودون: شوارع مزدحمة، مقاهٍ مكتظة، هواتف لا تهدأ، ومولات تفيض بالموضات، لكن شيئًا أكبر غائب: الوطن نفسه.
ثم ظهر مهرّج سياسي، يرتدي شعارات الأحزاب، وصرخ: انسوا المدارس والمستشفيات والكهرباء! تذكّروا المعارك القديمة!صفّق البعض، وبكى آخرون، وارتفعت أعلام كثيرة… ولم ينتبه أحد إلى علم العراق المنسي في الريح.
قال الرجل الخمسيني: كنا نختلف لكننا نتفق على الوطن. وقال الستيني: كنا نرفع علمه… واليوم لا نراه. سرنا في بغداد: مستشفى مريض، مدرسة منسية، مصنع هيكل، أرض جافة، وشباب يحلمون بالهجرة أكثر من الحياة.سألني: كم سُرق؟قلت: كثير.قال: وماذا فعل الناس؟قلت: منشورات ونكات وضحك.ثم بكى.
وقال وهو يحدق في دجلة: كيف صار شعب يهز الجسور لفلس واحد… يضحك على وطن كامل؟أجابت بغداد من الماء: حين يتكرر الوجع يصبح عادة، وحين تتكرر الخيبة يصبح الغضب نكتة، وحين يطول الظلام نتعلم أن نضحك كي لا نموت.
اختفى الرجلان، وبقي المهرّج فوق الجسر. أما الناس فكانوا يركضون خلف مواكب الماضي، يعبدون الرموز، ويهملون الحياة، حتى صار الوطن غريبًا بينهم.يقطعون مئات الكيلومترات عشقًا للرموز والانتماءات، ويقبلون أقدام الغرباء تبركًا وتيمّنًا، ويغدقون على الرموز من المحبة ما يبخلون به على أوطانهم، لكنهم يتثاقلون عن قطع أمتار قليلة دفاعًا عن مدرسة تتداعى جدرانها، أو مستشفى يئن من الإهمال، أو قانون يحفظ ما تبقى من كرامة البلاد.
كانوا يهرعون إلى كل ما يوقظ العاطفة، ويغضّون الطرف عن كل ما يبني الحياة، حتى بدا وكأن الوطن نفسه صار غريبًا بينهم، يمدّ يده فلا يجد من يصافحه، وينادي أبناءه فلا يسمع سوى أصداء الهتافات البعيدة.حتى صار الهواء مزدحمًا بالأعلام، إلا علم العراق الذي أصبح يشعر بالوحدة في وطنه.
وحين حل الليل قالت بغداد: أنا لست حزينة لأنكم فقراء… بل لأنكم ما زلتم تضحكون على أنفسكم ثم تبكون
لكن الحكاية لم تنتهِ. فالوطن يمضي لا كحياة، بل كنكتة طويلة يرويها الجميع ويشكون منها. حتى بدا العراق ضحكة متعبة على شفاه رجل مريض بالوطنية، يعرف أن البيت يحترق واللصوص فيه، لكنه يبتسم كي لا يُرى بكاؤه.
وبقي العراق وحده يضحك…
كي لا يسمع أحدٌ بكاءه.
yaaas@hotmail.com