العباقرة الثلاثة
ليث شبر
أكاد أجزم أن كل واحد منكم عرف في حياته شخصاً استثنائياً. ربما كان زميلاً في المدرسة يسبق الجميع بخطوات، أو قريباً يدهشك بطريقة تفكيره، أو إنساناً بسيطاً أخفى الله في عقله موهبة لا تشبه الآخرين. وحين تمر السنوات يعود السؤال المؤلم: ماذا فعلت به الحياة؟ وماذا فعلت به الدولة؟ وكم عبقرياً خسرناه لأن أحداً لم يلتفت إليه؟
لقد عرفت في حياتي كثيراً من المبدعين والموهوبين، لكن ثلاثة منهم تركوا في نفسي أثراً خاصاً، لأنني لم أر فيهم تفوقا أو ذكاء أو اجتهادا فحسب، بل رأيت شيئاً نادراً يصعب وصفه إلا بكلمة واحدة ألا وهي (( العبقرية )).
أول هؤلاء هو أخي الأصغر غيث. ومن يعرف الرياضيات يدرك أن هناك فرقاً بين من يحل المسألة ومن يكتشف طريقاً جديداً لحلها. كان غيث ينظر إلى الأعداد بطريقة مختلفة تماماً، وكأن بينه وبينها لغة خاصة لا نعرفها. ولم تكن موهبته في الحفظ أو الدراسة التقليدية، بل في الابتكار والنظر إلى العلاقات الرياضية والهندسية الخفية. غير أن القدر أخذه إلى طريق آخر، فاختار العلوم الدينية، وهناك أيضاً لم يتوقف الإبداع. فقد برع في علم الرجال حتى أصبحت مؤلفاته وأبحاثه ومصنفاته مصدراً أساسياً في الحوزة العلمية في النجف وقم وسائر الحوزات العلمية. تغير الحقل، لكن العبقرية بقيت هي نفسها.
أما العبقري الثاني فهو الصديق العزيز حمزة الأزرق. ومنذ أكثر من ثلاثين عاماً عرفته فناناً مبدعاً في الرسم والخط، لكنني اكتشفت مع مرور الزمن أن الفن لم يكن سوى نافذة صغيرة من عالمه الكبير. فعبقرية حمزة الحقيقية تكمن في التصنيع والابتكار والإنتاج. إنه من أولئك الذين يرون الإمكانية فيما يراه الآخرون شيئاً عادياً. وقد استطاع أن ينتج وحده أكثر من ستين منتجاً مختلفاً من النخيل، فضلاً عن عشرات بل مئات المشاريع والأفكار المتعلقة بالزراعة والصناعة والبيئة والتعليم. وكلما جلست معه شعرت أن عقله يعمل كمختبر دائم لا يتوقف عن البحث والتجريب والتطوير.
حالة استثنائية
أما الثالث فهو الدكتور عبد السلام المياحي. وحين تعرفت إليه قبل سنوات أدركت سريعاً أنني أمام حالة استثنائية بكل معنى الكلمة. لقد رأيت خلال مسيرتي الأكاديمية والسياسية والعلمية كثيراً من الباحثين والمفكرين، لكنني لم ألتق بعقل يشبه عقل عبد السلام المياحي. إنه عالم فريد بما يمتلكه من نبوغ وقدرة على اختراق المسلمات العلمية السائدة. وقد برع في اكتشافات نظرية وعملية أراها تضاهي، بل تتجاوز في كثير من جوانبها، ما قدمه كبار العلماء عبر التاريخ. فهو لا يكتفي بالإجابة عن الأسئلة المطروحة، بل يعيد صياغة الأسئلة نفسها ويقتحم مناطق ما زالت مجهولة أمام العلم المعاصر. وكلما تعمقت في أعماله ازددت يقيناً بأن الله وهبه قدرة نادرة على التعامل مع المعضلات والمستعصيات التي يتجنبها الآخرون واكتشاف مالم يكتشف.
المؤلم في قصة هؤلاء الثلاثة أن الدولة لم تلتفت إليهم، كما لم تلتفت إلى آلاف العقول العراقية المشابهة لهم. فالأنظمة والحكومات التي تعاقبت على إدارة العراق كانت تتحدث كثيراً عن التنمية والإصلاح والنهضة، لكنها نادراً ما بحثت عن العباقرة الحقيقيين. وفي كل مرة كنت أرى فيها عقلاً استثنائياً يضيع في الزحام كنت أشعر أننا لا نخسر فرداً واحداً، بل نخسر فرصة وطن بأكمله.
ولهذا كنت وما زلت أؤمن أن الأوطان لا تبنى بالنفط وحده، ولا بالموازنات الضخمة، ولا بالأبراج العالية، ولا بالشعارات السياسية. الأوطان تبنى بالعقول أولاً. وكل نهضة حقيقية بدأت بفكرة، وكل فكرة عظيمة بدأت بعقل استثنائي وجد من يؤمن به ويحتضنه ويوفر له البيئة المناسبة للعمل والإبداع.
ولعل كثيرين لا يعلمون أنني مذ تسنم السيد نوري المالكي رئاسة الحكومة، مروراً بالحكومات التي جاءت بعده، وصولاً إلى حكومة السيد علي الزيدي اليوم، كنت أطرح هذه الفكرة بصورة متواصلة. كنت أتحدث عن ضرورة تأسيس إطار وطني يجمع العباقرة والمبتكرين والمبدعين العراقيين بعيداً عن الحسابات السياسية والبيروقراطية، ويوفر لهم الدعم والرعاية والسرية والإمكانات اللازمة لتحويل أفكارهم إلى إنجازات. كنت أكرر ذلك في اللقاءات والحوارات والمذكرات والمشاريع، لكن أحداً لم يستجب بالقدر الذي يستحقه هذا الملف.
وأخشى أن يستمر العراق في البحث عن الحلول في المكان الخطأ. فالثروة الحقيقية ليست تحت الأرض، بل فوقها. والثروة الأعظم ليست النفط ولا الغاز ولا المعادن، بل تلك العقول التي منحها الله القدرة على أن ترى ما لا يراه الآخرون. وحين تتعلم الدولة كيف تكتشف عباقرتها وتحميهم وتستثمرهم، عندها فقط يمكن أن يبدأ العراق رحلته الحقيقية نحو المستقبل.