الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
صمت لا يُغتفر: أصحاب القرار والأقنعة الخفية

بواسطة azzaman

صمت لا يُغتفر: أصحاب القرار والأقنعة الخفية

 هدى زوين

 

في عالمٍ تتقاطع فيه السلطة بالمال، وتتشابك فيه القرارات مع المصالح الشخصية، لم تعد الحقيقة واضحة كما تبدو على السطح، بل أصبحت طبقاتٍ من التعتيم تُخفي خلفها واقعًا أكثر قسوةً وتعقيدًا. ما نراه يوميًا من أحداثٍ قد يبدو عابرًا أو اعتياديًا، لكنه في جوهره يحمل قصصًا من الألم والظلم، تُرتكب بعيدًا عن الأضواء، وتُدفن دون مساءلة، وكأنها لم تكن.

هناك، خلف الكواليس، تُصنع قراراتٌ لا تُعلن، وتُرتكب أفعالٌ لا تجد طريقها إلى العدالة، ويُترك المواطن وحيدًا، لا يملك سوى أن يكون شاهدًا صامتًا على مشهدٍ يتكرر بلا نهاية. تتآكل ثقته شيئًا فشيئًا، ليس فقط بالمؤسسات، بل بفكرة العدالة ذاتها، حين يرى أن القوانين تُطبّق بانتقائية، وأن المحاسبة تُستثنى حين تمس أصحاب النفوذ.

صمت المسؤولين هنا ليس مجرد موقف، بل شراكة غير معلنة في صناعة الظلم. حين يمتلك البعض القدرة على القرار ويختارون الصمت، فإنهم لا يكتفون بالتغاضي، بل يمنحون الغطاء لكل تجاوز، ويُرسّخون ثقافة الإفلات من العقاب. تختبئ الحقيقة خلف أقنعةٍ متقنة الصنع: قناع الخوف، قناع المصلحة، وقناع التبرير، حتى يصبح التمييز بين الصادق والمزيّف مهمة شبه مستحيلة.

ومع مرور الوقت، تتحول الوعود إلى شعارات، والمبادئ إلى كلماتٍ تُقال في المناسبات فقط، بينما الواقع يزداد هشاشة. يصبح كل ظلمٍ بلا محاسبة مؤشرًا خطيرًا على ضعف الرقابة، وكل ضحيةٍ بلا إنصاف جرس إنذارٍ لمجتمعٍ يُدفع نحو اللامبالاة. الأخطر من ذلك، أن التكرار يولّد الاعتياد، والاعتياد يقتل الإحساس، فيتحول الصمت من موقفٍ مرفوض إلى حالةٍ طبيعية.

وهنا يبرز السؤال الأكثر إلحاحًا: إلى متى؟

إلى متى سيبقى الصمت سيد الموقف؟ وهل ستسقط هذه الأقنعة يومًا، أم ستزداد صلابةً مع الوقت؟

الحقيقة أن الصمت ليس حيادًا، بل انحياز غير مباشر. وكل من يختار أن يغضّ الطرف، بحجة الخوف أو المصلحة أو حتى اليأس، يساهم—بقصد أو بغير قصد—في استمرار هذا الواقع. فالظلم لا يعيش فقط بوجود من يمارسه، بل أيضًا بوجود من يسكت عنه.

لكن رغم كل ذلك، يبقى الأمل قائمًا. فالتاريخ علّمنا أن الأقنعة، مهما طال زمنها، لا تصمد أمام وعيٍ حقيقي، ولا أمام صوتٍ صادق يرفض أن يُكمم. التغيير لا يبدأ بقرارٍ من فوق، بل بإرادةٍ من القاعدة، حين يدرك الناس أن الصمت لم يعد خيارًا، وأن كلفة السكوت باتت أعلى من كلفة المواجهة.

إن قوة المسؤول لا تُقاس بسلطته، بل بقدرته على قول الحقيقة، ومواجهة الخطأ، والانحياز للعدالة حتى لو تعارضت مع مصالحه. كما أن قوة المجتمع لا تكمن في عدده، بل في وعيه، وفي رفضه أن يكون شاهدًا صامتًا على ما يجري.

وخلاصة القول، إن الصمت الذي لا يُغتفر ليس مجرد حالة عابرة، بل هو اختبار حقيقي للضمير الإنساني. فإما أن يكون الإنسان جزءًا من كشف الحقيقة، أو شريكًا في دفنها. وبين هذا وذاك، يتحدد شكل المستقبل: إما عدالة تُبنى على الجرأة، أو ظلم يستمر تحت غطاء الصمت.

وتبقى الحقيقة ثابتة:

مهما اشتدت العتمة، لا بدّ للنور أن يظهر، ومهما تعددت الأقنعة، فإنها ستسقط يومًا، أمام ضوء الوعي، وصوت الحق، وضميرٍ لا يقبل أن يصمت بعد اليوم.


مشاهدات 94
الكاتب  هدى زوين
أضيف 2026/04/09 - 2:36 AM
آخر تحديث 2026/04/09 - 4:02 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 177 الشهر 7050 الكلي 15225123
الوقت الآن
الخميس 2026/4/9 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير