خدمة دلفري البحوث السريعة
أميمة ابراهيم السامرائي
التطور والسرعة باتتا من أبرز سمات مجتمعاتنا الحديثة , ومن أولى من المؤسسات التعليمية ومراكز البحث العلمي باستثمار هاتين السمتين من اجل المعرفة؟! الا ان الواقع يكشف مسارا مختلفا تماما. فمع اتساع ثقافة السرعة أصبح كل شيء قابلا للطلب والتسليم بضغطة زر, ولم يعد غريبا أن تتحول كثير من الخدمات إلى نظام (الدليفري). غير أن اللافت أن هذه الثقافة لم تتوقف عند حدود الحياة اليومية، بل وجدت طريقها أيضا إلى الجامعات حيث أصبح البحث العلمي (في بعض الحالات) بضاعة قابلة للطلب والتسليم.
وهكذا، لم تعد السرعة مجرد وسيلة لتسهيل الحياة بل تحولت (في بعض مظاهرها) إلى مدخل لظهور أسواق خفية من نوع آخر لبيع العلم نفسه. لذلك لم يعد من الغريب اليوم أن يطلب من طالب إعداد بحث أو تقرير جامعي فيكون سؤاله الأول "منو يعرف مكتب ينجز هذا البحث بسرعة؟". وهكذا نشأت ما يمكن وصفه بـ السوق السوداء للبحوث الجامعية حيث تختلف الأسعار بحسب عدد الصفحات ومستوى الدراسة ودرجة الاستعجال, فهناك تسعيرة لبحث التخرج، وأخرى لرسالة الماجستير , ولا اعتقد انكم تتخيلون اسعار أطاريح الدكتوراه !!
الأمر الأكثر غرابة أن هذه الممارسات لم تعد تعمل في الخفاء كما كان يحدث في الماضي. فالإعلانات التي تعرض خدمات كتابة البحوث والرسائل الجامعية أصبحت منتشرة على مواقع التواصل الاجتماعي مع ضمان بالجودة والسرعة والسرية التامة بالطبع , اما الامانة العلمية فخارج نطاق الخدمة. كما ان الأحاديث التي تدور في أروقة الجامعات تشير أحيانا إلى أن بعض المنتمين إلى الوسط الأكاديمي قد يكون لهم دور مباشر أو غير مباشر في إدارة مثل هذه المكاتب أو دعمها. وإذا صح ذلك، فإننا لا نكون أمام تجاوز فردي بسيط، وطلبة يسعون للنجاح بأي ثمن, بل نحن أمام مفارقة أخلاقية داخل المؤسسة التي يفترض أن تحمي العلم لا أن تتاجر به
ما يحزن فعلا ان العالم من حولنا يتسابق في إنتاج المعرفة والابتكار، بينما نخاطر نحن بأن نسير في الاتجاه المعاكس حين نسمح بأن يتحول العلم نفسه إلى سلعة. ولم يعد الطلبة بحاجة الى الوقوف طويلا في مطبخ البحث العلمي، فهناك من يمكنه إعداد (الوجبة) كاملة وتسليمها في الوقت المحدد. وهكذا نكون أمام جيل يحمل ألقابا علمية كبيرة… وخبرة معرفية صغيرة. فالشهادة قد تُطلب أحيانا بنظام الدليفري، أما المعرفة فلا تُسلَّم بهذه الطريقة، لأن من اعتاد شراءها… سيعجز عن إنتاجها.