الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
من ضياع المجالس إلى ضياع الأدب

بواسطة azzaman

من ضياع المجالس إلى ضياع الأدب

 

علي حربوش المسعودي

 

المجالس في العراق كانت دائمًا مدارس حقيقية، تُعلّم القيم قبل أن تُعلّم الحروف، وتُخرّج رجالًا يعرفون أن الأدب هو أساس التعامل الإنساني. في تلك المجالس كان الكبير يروي خبرته، والشيخ يغرس الحكمة، والشاب يتعلم معنى الرجولة والالتزام. كانت المجالس فضاءً تربويًا يرسّخ الأخلاق، ويعلّم الصبر، ويغرس روح التعاون والاحترام، حتى صارت جزءًا من هوية المجتمع العشائري العراقي

ومع مرور الزمن، ومع صعود التعليم النظامي وانتشار الجامعات، تراجع دور هذه المجالس بحجة أن المجتمع صار مثقفًا ودارسًا. لكن هذا التحول لم يُعوض الفراغ التربوي الذي كانت تسده المجالس، فالمجتمع فقد جزءًا من تماسكه الأخلاقي والاجتماعي، وأصبح أكثر عرضة للانحرافات والسلوكيات الفردية البعيدة عن روح الجماعة. هنا تبرز الحكمة التي تختصر الأزمة: الأدب يستر قليل العلم، ولكن العلم لا يستر قليل الأدب. فالأدب هو الغطاء الذي يمنح العلم قيمته وهيبته، ومن دونه يصبح العلم مجرد أداة فارغة لا تُثمر خيرًا

إن المثقف الذي لا يحمل قيمًا تربوية يصبح مجرد حامل شهادة، بينما المجالس كانت تصنع الإنسان قبل أن تصنع المتعلم. لذلك، غياب المجالس جعل بعض المثقفين يعيشون عزلة عن المجتمع بدل أن يكونوا قدوة فيه. إحياء المجالس اليوم لا يعني العودة إلى الماضي بحذافيره، بل استعادة روحها التربوية في صياغة جديدة تناسب العصر. يمكن أن تكون المجالس منصات للحوار، لقاءات ثقافية، أو مجالس شبابية تناقش قضايا المجتمع وتغرس القيم. المهم أن تبقى فكرة «المجلس مدرسة» حاضرة، لأن المدرسة الرسمية لا تستطيع وحدها أن تربي الضمير الاجتماعي

إن فقدان المجالس يعني فقدان جزء من الهوية الأخلاقية والاجتماعية للعراق. المثقف الحقيقي هو من يجمع بين العلم والقيم، بين الكتاب والمجلس، ليعيد للمجتمع توازنه ويمنحه القدرة على مواجهة الانحرافات بروح جماعية أصيلة. هكذا تبقى المجالس مدارس العراق، وإذا غابت غاب معها صوت الحكمة الذي يربط الأجيال ويصون الأخلاق.

 


مشاهدات 48
أضيف 2026/03/25 - 4:25 PM
آخر تحديث 2026/03/26 - 2:37 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 134 الشهر 21064 الكلي 15213132
الوقت الآن
الخميس 2026/3/26 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير