التجديد السياسي… ضرورة مرحلة لا ترف خيار
حسام الربيعي
في لحظات التحول الكبرى في تاريخ الدول، لا يكون السؤال الأهم هو من حكم بالأمس، بل من يستطيع أن يقود الغد. فالمراحل السياسية لا تتكرر، والنجاحات التي تتحقق في سياقٍ معين لا يمكن افتراض قدرتها على الاستمرار في سياق مختلف تماماً. من هنا يبرز مفهوم (التجديد السياسي) بوصفه ضرورة موضوعية تفرضها طبيعة التحولات الداخلية والإقليمية، وليس مجرد شعارٍ للاستهلاك السياسي.
لقد أدار رئيس الوزراء العراقي الأسبق نوري المالكي البلاد في مرحلة من تاريخ الدولة العراقية، وكانت تلك المرحلة مرتبطة بظروف أمنية وسياسية محددة، غير أن السياسة ليست علماً ثابتاً، بل فن إدارة المتغيرات، وما كان يصلح لإدارة العراق قبل عقد أو أكثر، ليس بالضرورة أن يكون صالحاً لإدارة المشهد اليوم، في ظل توازنات إقليمية أكثر تعقيداً، واقتصاد يواجه تحديات بنيوية، ومجتمعٍ بات أكثر حساسية تجاه الأداء الحكومي.
والأمر ذاته ينطبق، بدرجة أو بأخرى، على تجربة رئيس حكومة تصريف الأعمال الحالي المهندس محمد شياع السوداني ، التي جاءت وسط آمال واسعة بفتح صفحة مختلفة في الإدارة الحكومية، غير أن السنوات الأخيرة كشفت عن سلسلة من الإخفاقات التي طالت ملفات متعددة، من الاقتصاد والخدمات إلى إدارة الأزمات السياسية، الأمر الذي جعل حالة التذمر الشعبي تتصاعد، وأعاد طرح السؤال القديم الجديد: هل ما زال النظام السياسي العراقي يعمل بالأدوات ذاتها التي أثبتت محدودية قدرتها على إنتاج حلول حقيقية؟
الحقيقة التي ينبغي قولها بوضوح هي أن العراق اليوم يقف أمام مفترق طرق تاريخي، فالإقليم من حوله يعيش حالة غليان غير مسبوقة، من تصاعد التوترات الجيوسياسية إلى إعادة رسم موازين القوة في الشرق الأوسط، وفي الداخل، تتراكم الأزمات الاقتصادية والإدارية، وتتعمق فجوة الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة.
في مثل هذا السياق، لا يكون الحل في إعادة تدوير الوجوه ذاتها، ولا في الاستمرار بمنطق إدارة الأزمة بدلاً من حلها، بل في البحث عن شخصية سياسية وازنة تمتلك القدرة على قراءة اللحظة التاريخية بدقة، وتملك الشجاعة لإطلاق مشروع إصلاحي حقيقي يعيد بناء الثقة بين الدولة والمجتمع.
إن التجديد السياسي لا يعني القطيعة مع التجارب السابقة بقدر ما يعني الاستفادة من دروسها، فالدول التي تتقدم هي تلك التي تفهم أن السياسة، مثل النهر، لا يتوقف عن الجريان. ومن يحاول إدارة الحاضر بعقلية الماضي، سرعان ما يجد نفسه خارج حركة التاريخ.
العراق اليوم بحاجة إلى قيادة تمتلك رؤية استراتيجية، وخبرة في إدارة الأزمات، وقدرة على بناء توافقات وطنية عريضة، قيادة تستطيع أن تخرج البلاد من حالة الدوران في الحلقة المفرغة، وأن تقودها بثبات خارج عنق الزجاجة الذي طال بقاؤها فيه.
فالمرحلة الراهنة لا تحتاج إلى مجرد إدارة يومية لشؤون الدولة، بل إلى مشروع سياسي متكامل يعيد تعريف أولويات الحكم، ويضع مصلحة الدولة فوق كل الاعتبارات الأخرى، عندها فقط يمكن للعراق أن يتحول من ساحة للأزمات إلى دولة فاعلة قادرة على حماية مصالحها في إقليمٍ مضطرب، وصناعة مستقبل أكثر استقراراً لأبنائها.
متحدث الرسمي لتحالف خدمات