الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الدساتير لا تنهار بالدبابات وحدها بل بسوء تفسيرها

بواسطة azzaman

الدساتير لا تنهار بالدبابات وحدها بل بسوء تفسيرها

موفق البياتي

 

اخطر ما يمكن ان يصيب النص الدستوري ليس في تعطيله ، بل في تفسيره على نحو يفرغه من لحظة الحسم التي وضع لأجلها ، فالانقلاب الصريح يُرى ويمكن مقاومته ، اما التوسع التفسيري غير المنضبط فانه يتسلسل بهدوء حتى يصير الخلل عادة ، ويصبح الاضطراب امراً مألوفاً .

 حين تفرَغ الانتخابات من اثرها الحاسم ، لا يتبقى من الديمقراطية سوى  طقوسها ،وحين يتحول المنصب الدستوري الى مساحة مفتوحة للتأويل غير المنضبط ،تبدأ السلطة بالانفصال عن مصدرها الحقيقي الأصيل الذي يتجسد بارادة الشعب ،وهذا هو اخطر الانحرافات الدستورية التي من الممكن ان تتسلل الى الدستور ، فالنص لا يقتل دائماً بالغائه بل في التفسيرالمنحرف احياناً .

 منذ عام 2010 ضل مفهوم (الكتلة النيابية الاكثر عدداً ساحة مفتوحة لأعادة هندسة الارادة الشعبية داخل قبة البرلمان ،حتى كادت نتائج الانتخابات تتحول الى مرحلة تمهيدية قابلةًٌ لأعادة الصياغة السياسية ، وهنا تكمن الخطورة، فالخطورة كل الخطورة حين يصبح صندوق الانتختابات نقطة بداية للأزمة لا نقطة حسم .

 قبل ايام قليلة فقط وضع السيد رئيس مجلس القضاء الاعلى اصبعه على الجرح الدستوري العميق معلناً ان الوقت قد حان لمراجعة اجتهاد فتح باب الاحتمال اكثر مما يحتمل النص وهو ما ادخل البلاد والعباد الى تأويل لا سقف .

انها ليست معركة اشخاص بل معركة فلسفة دستورية ، معركة بين ان تكون الانتخابات تعبيراً ملزماً  عن ارادة الأمة ،وبين ان تكون مجرد ارقام اولية يعاد ترتيبها داخل صفقات لاحقة في اروقة البرلمان ،فحين يصبح التفسير اوسع من النص ،يصبح التصحيح واجباً لا خياراً .

قراءة في بنية النص الدستوري

المادة (76/اولإ) من الدستور تنص على ( ان رئيس الجمهورية يكلف مرشح الكتلة النيابية الاكثر عدداً بتشكيل مجلس الوزراء خلال خمسة عشر يوما من تاريخ انتخاب رئيس الجمهورية وكان التفسير الذي اعتُمد بعد انتخابات عام 2010 قد وسًع تفسير نص هذه المادة لمفهوم الكتلىة الاكبر ليشمل احتمالين اثنين :

 اولهما - القائمة الفائزة بأعلى عدد بالمقاعد في الانتخابات.

وثانيهما – الكتلة التي تتشكل داخل مجلس النواب بعد اعلان النتائج .

ومثل هذا التوسع في التفسير قد يكون ممكناً لغوياً ولكنه لا يكون منسجماً بالضرورة مع مقصد النص ، فالقاعدة في الفقه الدستوري تقرر ان النص لا يقرأ معزولاً عن روحه ،ولا يفهم بعيداً عن المبادى العليا التي تحكمه ،ولعل اهم هذه المبادى في الدستور العراقي ،هو مبدأ السيادة الشعبية المقرر صراحةً في المادة (5) من الدستور ، وهذا يعني ان الشعب مصدر السلطات ،وان الانتخابات ما هي الى الاداة التي تتجلى بها هذه السيادة ،وان اي تفسير يسمع بعد ذلك بـأعادة تشكيل الارادة الشعبية بعد اعلانها يقترب من اضعاف القيمة الدستورية للأنتخابات نفسها .

صحيح ان النظام العراقي نظام برلماني ،وان الانظمة البرلمانية تسمح بالتحالفات بعد الانتخابات ،ولكن مع هذا يجب علينا التمييز بين مرحلتين : مرحلة التكليف الدستوري بتشكيل الحكومة  ،ومرحلة منح الثقة داخل البرلمان.

ففيما يخص مرحلة التكليف ، فهي اجراء دستوري محدد لا ينبغي ان يتحول الى ساحة اعادة هندسة للنتائج الانتخابية ،واما فيما يخص مرحلة منح الثقة داخل البرلمان فهي المرحلة التي يملك فيها المجلس حرية منح الثقة او حجبها ،وفي هذه المرحلة تكون التحالفات مشروعة.       وعلى هذا فأن القول بأن الكتلة الاكبر تصنع داخل البرلمان وبعد اعلان النتائج انما يفتح باباً لتجاوز التفوق الانتخابي العددي ويجعل (الفوز الاول) من غير اثر دستوري لاحق.

التجربة العملية بأعتبارها حجة دستورية، ليست المسألة نظرية ،فمنذ عام 2010 لم تخلُ دورةً انتخابية من نزاع حول مفهوم الكتلة الاكبر ،وهذا بالتأكيد سبب رئيسي يؤدي الى تأخر تشكيل الحكومة واحتدام الصراعات السياسية وبالتالي لجوء متكرر الى التفسير القضائي ،ومثل هذا النمط المتكرر من الازمات يعد من وجهة نظر الفقه الدستوري قرينة على وجود خلل في الصياغة والتفسير .   وعندما يكشف التطبيق العملي عن ان تفسيراً معيناً يؤدي الى انسداد مؤسسي دوري فأن مراجعته تصبح ضرورة ملحة لحماية الاستقرار الدستوري ، فألاستقرار ليس قيمة سياسية فحسب بل ان قيمة دستورية عليا ،فالدستور الذي ينتج نزاعاً دائما في نقطة مفصلية ، مثل تشكيل الحكومة ، يحتاج بلتأكيد الى تصويب لوقف نزيف الإنحراف.

العدول عن الاجتهاد مظهر نضج لا تناقض

 القول بأن مراجعة تفسير عام 2010 يمثل تراجعاً عن استقرار القضاء هوقولُ غير دقيق ذلك ان السوابق القضائية ليست نصوصاً مقدسة بل هي اجتهادات قابلة للتطور ، وان الكثير من المحاكم الدستورية في الانظمة المقارنة عدلت عن سوابقها حين تتغير الظروف او تظهر آثار غير متوقعة ، بل ان بعض الفقه يعتبر ان الجمود على اجتهاد ثبت قصورهُ  ما هو الى اخلال حقيقي بواجب القضاء ، ومن ثم فأن اعتبار ما طرح السيد رئيس مجلس القضاء الاعلى انما هو تصحيح لا انتقاد ،وهو قراءة ادق للمشهد ،وان مثل هذا التفسير لا يهدم التفسير السابق بقدر ما يضعه في سياقه الصحيح .

حماية الترتيب الدستوري للسلطات

ان التكليف بتشكيل الحكومة ما هو الى البوابة التي تعبر منها السطلة التنفيذية الى الشرعية ، فأذا اصبح هذا التكليف خاضعاً لتفاهمات لاحقة تعيد ترتيب النتائج  فأننا نكون قد اضعنا الحلقة الاولى في سلسلة الشرعية التي تتسلسل تسلسلاً واضحاً بحسب نصوص الدستور ،حيث تبدأ هذه السلسلة بأنتخابات عامة تعبر عن الارادة الشعبية ،ثم انعقاد مجلس النواب وتكليف الكتلة الاكبر ،واخيراً منح الثقة .

فأذا انقلب الترتيب بحيث تصبح التحالفات اللاحقة هي المؤثر الحاسم في مرحلة التكليف فأننا نكون قد مزجنا المراحل واضعفنا وضوح المسار الذي قرره الدستور ، واذا ما تم تصحيح هذا الخلل عاد الانضباط الى الإيقاع الدستوري الصحيح .

الرد على الاعتراضات

 قد يقال ان حصر التكليف بالقائمة الفائزة يقيد مرونة النظام البرلماني ومثل هذا الاعتراض مردود من وجهين : الاول:ان القائمة المكلفة لا تحكم الا بعد نيل الثقة ، وبالتالي فأن البرلمان يبقى هو صاحب القرار النهائي .

الثاني : ان التحالفات تبقى ممكنة لتشكيل اغلبية الثقة ، لكن لا لتغيير صاحب اولوية التكليف ،وبذلك يتحقق التوازن بين احترام الارادة الشعبية والحفاظ على طبيعة النظام البرلماني .

لحظة شجاعة دستورية

ان الدفاع عن طرح رئيس مجلس القضاء الاعلى ما هو الا دفاع عن فكرة اساسية ،وهي ان الانتخابات ليست مرحلة تمهيدية لاعادة الصياغة ،بل هي لحظة حسم دستوري ، فالكتلة الاكبر ليست رقماً عابراً بل معياراً لتحديد اسبقية التكليف ، فمن يفوز اولاً يجب ان يمنح حق المحاولة اولا.

ان مراجعة التفسير السابق للكتلة الاكبر ليست نزاعاً سياسياً ، بل فعل تصحيح مؤسسي ، فالدساتير الحية لأتصال بالجمود ، بل بالمراجعة حين تقتضيها المصلحة الدستورية العليا ، واذا كان الاجتهاد الاول قد وسع الاحتمال ، فأن الاجتهاد الثاني يعيد النص الى يقينه ، وهذا في جوهره هو معنى حماية الدستور .

قاض متقاعد

 

 


مشاهدات 49
الكاتب موفق البياتي
أضيف 2026/03/07 - 1:44 AM
آخر تحديث 2026/03/07 - 4:41 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 250 الشهر 5681 الكلي 14959750
الوقت الآن
السبت 2026/3/7 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير