ايران عنقاء بالستي
محمد رشيد
في خضم التحولات الإقليمية المتسارعة يبرز خطابٌ يحتاج إلى قدرٍ أكبر من الإنصاف والموضوعية عند تناول صورة “ايران” في محيطها العربي.
فمنذ نشأتها الحديثة لم تُسجَّل عليها سابقة اعتداء على أي بلد عربي ولم تكن يومًا مصدر تهديد لجوارها بل على العكس اتخذت لنفسها موقع الداعم الصريح للقضايا العربية وفي مقدمتها قضية فلسطين سياسيًا وإعلاميًا وإنسانيًا.
لقد وقفت ايران إلى جانب الشعب الفلسطيني واللبناني والعراقي في أحلك الظروف ولم تكتفِ بالشعارات بل دعمت حقه المشروع في تقرير مصيره معتبرة أن العدالة ليست خيارًا سياسيًا بل التزامًا أخلاقيًا. وهذا الموقف لم يكن وليد حسابات آنية بل امتدادًا لرؤية راسخة تعتبر أن استقرار المنطقة لا يتحقق إلا بإنصاف قضاياها المركزية.
ورغم ما تعرضت له ايران من حصار مجحف طويل الأمد، وضغوط سياسية واقتصادية متواصلة فإنها لم تنكفئ على ذاتها ولم توجّه طاقتها نحو زعزعة استقرار الآخرين بل استثمرت في تنمية الإنسان والعلم وحققت نجاحات ملموسة في ميادين البحث والتكنولوجيا والتعليم حتى غدت نموذجًا في الاعتماد على الذات. هذه النجاحات لم تكن محل ترحيب من الجميع، إذ آثرت بعض الدول في أحيان كثيرة تجاهل هذا التفوق العلمي والتنموي وكأن الاعتراف به يخلّ بمعادلاتٍ اعتادت عليها.
ومن غير المنطقي – سياسيًا أو استراتيجيًا – أن يُصوَّر المشهد وكأن “دولة مارقة” مثل امريكا قطعت جيوشها آلاف الكيلومترات لتخيف الدول الآمنة المستقرة. فالدول لا تُقاس بالمسافات وحدها بل بعمقها الحضاري وتماسكها الداخلي وشرعيتها الأخلاقية. و”ايران ” تستند في رؤيتها إلى منظومة قيمية متجذرة تؤمن بالقيم السماوية وبكرامة الإنسان وحقوقه وتستحضر إرث نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وآل بيته الأطهار باعتباره مرجعية أخلاقية قبل أن يكون انتماءً دينيًا.
إن تصوير “ايران” كطرف مهدِّد يتنافى مع سجلها السياسي وسلوكها الإقليمي فالتهديد الحقيقي لا يصدر عن دولةٍ منشغلة ببناء جامعاتها ومختبراتها وتعزيز أمنها الداخلي وترسيخ خطاب يدعو إلى العدالة بل يصدر عن سياسات التصعيد وفرض الإملاءات وتجاهل حقائق الجغرافيا والتاريخ.
المنطقة اليوم أحوج ما تكون إلى قراءة عقلانية بعيدة عن شيطنة هذا الطرف أو ذاك. وإذا كانت هناك خلافات سياسية فإن معالجتها لا تكون عبر صناعة صورة نمطية، بل عبر الحوار القائم على الاحترام المتبادل والاعتراف بالحقوق المشروعة للجميع ويبقى معيار الحكم على الدول هو سلوكها الفعلي لا الاتهامات المرسلة و”ايران ” بتاريخها ومواقفها المعلنة تؤكد أنها لم تكن يومًا عدوًا لجوارها العربي بل شريكًا في همومه وحليفًا لقضاياه ومدافعةً عن قيمٍ ترى فيها أساس الاستقرار والكرامة الإنسانية.
وفي سياق التصعيد الإعلامي والعسكري تبرز مسألة التفوق البحري بوصفها أحد أعمدة الردع المنطقي في العقود الأخيرة فقد اعتُبرت حاملات الطائرات رمزًا للهيمنة العسكرية وأداة لإسقاط القوة عبر البحار غير أن موازين القوة ليست ثابتة. فالتطور المتسارع في تقنيات الصواريخ الإيرانية الفرط صوتية الدقيقة بعيدة المدى وأنظمة التتبع والاستهداف أعاد طرح سؤال جوهري: هل تبقى حاملات الطائرات بمنأى عن التهديد كما كانت في السابق؟ أم أنها قد تجد نفسها – وللمرة الأولى – في مواجهة أسلحة لم يُعلن رسميًا عن كامل قدراتها أو تأثيرها الاستراتيجي؟
إن الحديث عن صواريخ لم يُكشف عن مداها أو قوتها التدميرية يدخل ضمن إطار الردع النفسي بقدر ما هو ضمن الحسابات العسكرية. فالغموض المقصود حول الإمكانات يضاعف من أثرها ويجعل الخصم يعيد حساباته مرات عدة قبل الإقدام على أي خطوة تصعيدية في بدء إشعال فتيل حرب لايعلم موعد نهايتها وفي عالم الاستراتيجيات الحديثة قد يكون عنصر المفاجأة والقدرة على الإخفاء جزءًا لا يتجزأ من معادلة القوة.
لكن من المهم التأكيد أن أي مواجهة مباشرة بين قوى كبرى خاصة في البحر لا تعني مجرد اختبار سلاح ضد قطعة عسكرية بل تعني تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية واسعة النطاق. فحاملات الطائرات ليست مجرد منصات عسكرية بل تمثل رمزية استراتيجية واستهدافها – إن حدث – سيكون (إسقاطا لهيبتها) وتحوّلًا مفصليًا في طبيعة الصراعات الدولية.
وهنا يتضح أن الخطاب الذي يصوّر تلك الحاملات العملاقة كـ”صيد سهل” لا يُفهم فقط في سياقه العسكري بل في سياقه السياسي أيضًا رسالة ردع مفادها أن التفوق الأحادي لم يعد مضمونًا، وأن ميزان القوة أصبح أكثر تعقيدًا مما كان عليه في العقود الماضية.
في النهاية تبقى الحقيقة أن التطور التكنولوجي الإيراني بمساعدة الحلفاء يعيد تشكيل قواعد الاشتباك باستمرار وأن الأمن الإقليمي والدولي لا يتحقق عبر استعراض القوة وحده بل عبر إدارة التوازنات بحكمة وتجنب اي (تهور ترامبي نزق) والانزلاق إلى مواجهات قد تتجاوز حدود الحسابات النظرية إلى واقع لا تُحمد عقباه والخاسر الاكبر هو من سيضغط على الزناد اولا في هذه الحرب .