الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الرؤية المشرقة في الشعر العراقي الحديث ( أنشودة المطر مثالًا ): انبعاث العنقاء من الرماد


الرؤية المشرقة في الشعر العراقي الحديث ( أنشودة المطر مثالًا ): انبعاث العنقاء من الرماد

محمود عجاج فهد

 

لا يمكن قراءة الشعر العراقي الحديث بمعزل عن فكرة "الانبعاث". فمنذ انطلاقة حركة الشعر الحر في أربعينيات القرن الماضي، لم يكن التجديد شكلياً فحسب، بل كان تجديداً في الرؤية الفلسفية للحياة؛ رؤية تؤمن بأن الفجر يولد من رحم العتمة.

1. رمزية الانبعاث والتموزية :

تجلّت الرؤية المشرقة بوضوح لدى "السياب" من خلال استدعاء الأساطير القديمة، مثل أسطورة تموز وعشتار.

بدر شاكر السياب: رغم معاناته الشخصية، نجد في "أنشودة المطر" إيماناً مطلقاً بأن الجوع والموت هما مقدمة لخصب آتٍ، إذ يقول:

"أتعلمين أي حزن يبعث المطر؟ وكيف تنبت القصور فيه والنشور؟"

إن المطر هنا ليس مجرد ماء، بل هو رمز للثورة والتغيير والأمل الذي سيسقي أرض العراق لتزهر من جديد.

2. الإشراق بوصفه مقاومة :

في مراحل الحروب والاضطرابات، تحولت القصيدة العراقية إلى ملاذ للجمال. لم يكن الشعراء يكتبون عن اليأس للاستسلام له، بل لترويضه. نجد عند شعراء مثل سعدي يوسف احتفاءً بالتفاصيل اليومية الصغيرة (القهوة، الرصيف، الشجر)، وهو نوع من "الإشراق الواقعي" الذي يرى الجمال في استمرارية الحياة رغم كل شيء.

3. لغة الضوء واللون :

تميزت الرؤية المشرقة في الشعر الحديث باستخدام مفردات بصرية متفائلة، حيث نجد:

• تحول النغمة: الانتقال من الرثاء إلى البشارة.

• الاحتفاء بالمستقبل: الإيمان بأن "الغد" هو الكلمة الفصل، كما ظهر في قصائد الجواهري الذي، رغم كلاسيكيته المتأخرة، كان يضخ في روح الشباب العراقي عزيمة لا تلين.

ملامح التفاؤل في القصيدة المعاصرة :

في التجارب الأحدث، نجد أن الرؤية المشرقة اتخذت طابعاً إنسانياً كونياً، إذ أصبح الشاعر العراقي يكتب عن:

1. الحب كقوة خلاص: بوصفه الأداة الوحيدة لترميم الخراب الداخلي.

2. الوطن الحلم: تصوير العراق ليس كما هو في الواقع المرير، بل كما يجب أن يكون في مخيلة المبدع.

إن الرؤية المشرقة في الشعر العراقي الحديث ليست هروباً من الواقع، بل هي مواجهة له بأدوات الفن. إنها القوة التي تجعل الكلمة تتجاوز حدود اللحظة الراهنة لتصافح مستقبلاً أكثر إشراقاً، مؤكدةً أن "أرض الرافدين" التي علمت العالم الكتابة، لا تزال تملك ما تقوله عن الأمل.

تعتبر "أنشودة المطر" أيقونة الشعر العربي الحديث، وهي النموذج الأكمل لما نسميه "الرؤية المشرقة من قلب المأساة". في هذه القصيدة، لا يرى السياب المطر مجرد ظاهرة طبيعية، بل يراه "قوة ميتافيزيقية" قادرة على غسل أوجاع العراق وإعادة صياغة الوجود.

1. الأبعاد الرمزية للعينين (المدخل إلى الإشراق) :

يبدأ السياب القصيدة بوصف عيني "حبيبة" (وهي رمز للعراق أو جيكور):

عيناك غابتا نخيلٍ ساعةَ السحر"

"أو شرفتان راح ينأى عنهما القمر"

       إن اختيار وقت "السحر" (ما قبل الفجر) ووقت "نأي القمر" ليس عبثاً. إنه يصور اللحظة الأكثر عتمة التي تسبق الضوء مباشرة. الإشراق هنا يبدأ من "الانتظار"؛ فالعينان اللتان تشبهان غابات النخيل ليلاً، تحملان في عمقهما وعد الشروق. السياب يرى في سواد العينين بذرة الضوء القادم.

2. ميكانيكية التحول (من الموت إلى الحياة) :

السياب في "أنشودة المطر" يشبه الكيميائي الذي يحول المعادن الرخيصة إلى ذهب. هو يأخذ عناصر "الموت" ويقلبها لتصبح عناصر "حياة":

عنصر الغرق: المطر قد يسبب الغرق والموت، لكن السياب يقول:

"والموتُ، هو الموتُ، هو الميلاد"

في هذه العبارة هي قمة الرؤية المشرقة. إنه يتبنى الفلسفة الوجودية التي تقول إن الفناء هو شرط ضروري للانبعاث (مثل البذرة التي يجب أن تشق نفسها وتموت لتخرج الشجرة). هذا "التفاؤل المأساوي" هو ما منح القصيدة خلودها.

3. الموسيقى الداخلية ودور "اللازمة":

تكرار لازمة "مطر.. مطر.. مطر" يعمل كإيقاع كوني (Ritual).

      هذا التكرار يخرج القارئ من ضيق اليأس إلى رحابة الأمل. هو يشبه "صلاة الاستسقاء"، حيث يتحول الكلمة إلى فعل. الإشراق هنا "سمعي"؛ فالموسيقى المتدفقة توحي بأن الانفراجة قريبة، وأن جفاف الروح والواقع سيهتز ويربو.

4. البعد الطبقي والاجتماعي (إشراق العدالة):

لا يكتفي السياب بالإشراق الرومانسي، بل يربطه بالواقع الطبقي في العراق:

"كأن صياداً حزيناً يجمع الشباك"

"ويلعن المياه والقدر"

رغم هذا البؤس، يصر السياب على أن "أكواماً من الأمل" تولد من هذه المعاناة. هو يرى أن صرخة الجائع هي "رعد" يسبق مطر التغيير. الرؤية المشرقة هنا هي رؤية سياسية تؤمن بحتمية انتصار الكادحين، إذ يقول:

"في كل قطرة من المطر.. حمراء أو صفراء من أجنة الزهر"

اللون الأحمر: يرمز للدم والتضحية.

• اللون الأصفر: يرمز للسنابل والخير.

إنه يربط "الدم" بـ "الزهر" في علاقة سببية حتمية.

 5- إشراق الفداء" :

إن التوسع في فهم السياب يوصلنا إلى نتيجة واحدة: الإشراق لديه هو "فعل فداء". هو لا ينتظر الأمل أن يأتي من الخارج، بل يصنعه من "نزيفه" الشخصي. "أنشودة المطر" هي الوثيقة التي أعلنت أن العقل العراقي، رغم كل الحروب والمجاعات، يمتلك قدرة خرافية على "تخيل الضوء" حتى وهو في قاع البئر.

شكّلت "الرؤية المشرقة" التي أنقذت الإنسان العراقي من الغرق في العدمية، وجعلت من القصيدة "فعل مقاومة" ضد القبح.


مشاهدات 79
الكاتب محمود عجاج فهد
أضيف 2026/02/28 - 12:08 AM
آخر تحديث 2026/02/28 - 1:42 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 101 الشهر 21454 الكلي 14953097
الوقت الآن
السبت 2026/2/28 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير