وعي الخطاب المزدوج
أحمد حمندي
عندما نحلل خطاب المقاومة في سياق الحركات الإسلامية، سواء" السنية أو الشيعية،" نجد أننا أمام إشكالية معقدة تتعلق بمفهوم الوطن. فهذه الحركات في مضمون خطابها تعتبر أن الوطن بحدوده الجغرافية والدولة القومية بتركيبتها القانونية والسياسية ما هي إلا صناعة استعمارية، ولكنها في الوقت نفسه حين ترفع شعار المقاومة فإنها تلجأ إلى المفاهيم ذاتها لتبرير فعلها السياسي والعسكري تحت مسمى الدفاع عن الأرض أو الهوية. ذلك التناقض البنيوي يبرز خلاله: رفض المفهوم حين يتصل بالالتزام الوطني التقليدي، لكنها تستحضره كشرعية حين يكون وسيلة فعالة أمام خصمها الايديولوجي، وكأنها مضطرة إلى التحرك ضمن نفس الحقل المفاهيمي الذي أنتجه الاستعمار نفسه. لذلك يصبح المقاوم مستفيداً من صياغات الهيمنة ذاتها التي يسعى إلى تحطيمها، لذلك نرى أن الخطاب مزدوج بين الرفض والاستعارة، بين نقد الدولة القومية كمنتَج خارجي وبين الاحتماء بها كمظلة شرعية أمام الداخل والخارج.
في هذا الامر الشائك نعرج إلى مفهوم الدفاع و نحاول أن نفكك الحرب الدفاعية من خلال إثارة عدة أسئلة
هل هي بالفعل حرب دفاعية كما يشيع الخطاب السياسي والإعلامي، أم أن مفهوم الدفاع هنا لا يعدو أن يكون غطاء لغوي وسياسي لفعل أعمق؟ إن الوعي السياسي الأعمق يبين أن الحرب بالعموم و حروب العصر الحديث لا يمكن أن تكون دفاعية بشكل محض، لأن تعريف الحرب يفضي الى فهم يعني بانها فعل سيادي يعيد رسم حدود السلطة ويحدد من يملك القرار ومن يحدد العدو. قد تبدأ الحرب كرد فعل على عدوان خارجي أو على احتلال قائم، ولكنها سرعان ما تتحول إلى مشروع سياسي كامل، يسعى إلى فرض سيادة جديدة مرة أو إلى بناء سلطة بديلة أو إلى إعادة ترتيب التوازنات ضمن منظومة الهيمنة العالمية مرة أخرى. وهنا يصبح الدفاع مجرد خطاب وظيفته تعبئة الداخل وتحصيل الشرعية الدولية أو الشعبية، لكنه لا يغيّر من حقيقة أن الحرب تتحول إلى وسيلة لإعادة إنتاج الهيمنة مع إعادة صياغة المجال السياسي.
وعلى هذا المنطلق يصبح مفهوم الهيمنة إطاراً ضرورياً لفهم طبيعة الصراع. ففي زمن الإمبراطوريات الحديثة ليست الغاية مجرد السيطرة على الموارد أو الاستفادة من الثروات، بل فرض نموذج تبعية مستدام يعيد إنتاج السيطرة بشكل مستمر. الهيمنة لا تقتصر على الاستغلال الاقتصادي، بل هي تريد ضبط المجال السياسي بالكامل، يعني تبقى المنطقة إما عالقة في نقطة رمادية لا استقلال فيها ولا خضوع كامل، أو تُدفع إلى تحالف تبعي يربطها بالمركز المهيمن و تُسمى حليف أو تدخل في حرب مفتوحة في حال خسرتها ينتهي بها المطاف إلى خانة المهيمن عليهم. وبالتالي فإن الحرب حين تُرفع تحت عنوان الدفاع ليست سوى إحدى آليات التعامل مع هذا النسق: إما أن تكون وسيلة لكسر التبعية وبناء استقلال فعلي وهذا ضرب من الخيال و وهم تاريخي فلم يعد هناك أي كيان سياسي مستقل بشكل مطلق بالاضافة و لأسباب كثيرة تقودنا إلى بداية الحلقة، أو تتحول إلى لحظة تُعيد إنتاج التبعية من خلال إعادة توزيع موازين القوة.