المُتعَلم والمُتَكلِم
عبدالخالق خالد ياسين
في هذا المقال نرسم ملامح المنهجية الأخلاقية والعلمية الواجب على طالب العلم التحلي بها فعندها نفرق بين طالب العلم ليتزود وينفع (المتعلم) وبين من طلبه ليتصدر (المتكلم).
أولًا: أثر النية، لا بدَّ لكلِّ طالبٍ للعلم، مقبلٍ على النهل من مناهل المعرفة، أن يسلك مسالك النية الصحيحة التي تكون لله تعالى بالإخلاص والعمل وحسن التدبير في الكسب والتحصيل والمذاكرة، يقول أهل العلم: (ما كان لله دام واتصل، وما كان لغير الله انقطع وانفصل)، فحريٌّ بطالب العلم أن يبدأ بنيةٍ صادقة، وألّا يبتغي بهذا العلم غير وجه الله تعالى، لا الجدال والمراء، فمن كانت نيته سليمة كانت خطواته مرضية.
وأبلغ ما قيل قوله (صلّى الله عليه وسلّم): (إنما الأعمال بالنيات… الحديث). ويقول الإمام أحمد بن حنبل: (العلم لا يعدله شيء لمن صحت نيته). ويقال: على قدر النوايا تكون العطايا.
ثانيا: المتعلم: يُراد بالمتعلم من حاز صفات طالب العلم وتحقق بها، بدءًا من النية فالعقل والتربية، وحسن الأدب، وحسن الفهم، وحب الطلب والتزود، مع الوقار والتواضع والسلوك؛ فبهذا يكاد أن يكمل، فيكون أنموذجًا لطالب العلم المتدرج في الطلب، وهذه من صور المتعلم.
ثالثا: المتكلم: لا يخفى أن للعلم شهوةً تصاحبه في كسب العلوم، ومنها شهوة الكلام والجدال والمراء والمناظرات والاستعراض والإنكار، وحب رئاسة المجالس، وقد يصل به إلى التطرف، وهذا حاله؛ فالكسب بدون السلوك قسوة قلب، والتحصيل بدون التربية جهالة، ومن صور المتكلم كثرة الاعتراض والجدال، وحب الظهور، وحب أن يُخطِّئ المجابه له، حتى لو كان شيخه ومعلمه، وحب الكلام، وحب الاستعراض، وأن يكره أو يبغض ذوي العلم من أقرانه، وذوي السمت من شيوخه، وغالبًا لا يكون لمن يحمل هذه شيخٌ، فلو كان له شيخ لأدبه، ورباه، وحلّاه بزينة الطالب، فسمع وفهم، وأحسن التبليغ والبلاغ.
الموازنة: إن ميدان العلم لا يقوم على الصمت المطلق، ولا على الجدل المنفلت، بل على موازنةٍ دقيقة بين عقلٍ يسمع، وقلبٍ يعي، ولسانٍ لا يتكلم إلا بميزان.
فيكون مثالًا صحيحًا لمن تحقق، فلا يكون إمَّعةً يسمع ويمضي ولا يُعمل عقله وفهمه وذكاءه، فلا بد أن يسأل ويبحث، ولا يكون مجادلًا قلَّ أدبه، وسلّط لسانه، وأضاع الهدى.
والمعلم أحبُّ ما يكون على قلبه أن يكون طالبه ذا عقلٍ وفهمٍ وذكاء، يسمع فيحفظ ويبدع، وأروع ما يحب؛ اللحوح في العلم، فيلاحقه في الأزقة للنهل من عذبه والتزود من زاده، ولا يحب البليد وإن أطاعه، ولا يحب الساكن، وإن اصغى له الدهر كله، ولا يحب سيئ الأدب، وإن كان ذكيًا فاهمًا.