الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
في الصمت أعدتُ اكتشاف نفسي

بواسطة azzaman

في الصمت أعدتُ اكتشاف نفسي

محمد خضير الانباري

 

ما الصمت؟ أهوَ غيابُ الكلام، أمْ حضورِ منْ نوعٍ آخر؟  أهوَ فراغُ بينَ كلمتين، أمْ امتلاءٌ لا تحتملهُ اللغة؟  الصمتُ ليسَ نقيضٌ الكلامِ فحسب، بلْ نقيضٌ الضجيجِ الداخلي، ونقطةُ التقاءِ الإنسانِ بذاتهِ.   

 في الصمتِ، تهدأُ الفوضى، وتتكشفَ المعاني العميقةُ التي تعجزُ الكلماتُ عنْ حملها. ولذلكَ لمْ يكنْ الصمتُ يوما علامةَ ضعف، بلْ كثيرا ما كانَ ذروةَ القوة، وذروةُ الوعي.

جاءَ الصمتُ في القرآن، لا بوصفهِ عجزا، بلْ عبادة، وحكمة، وإشارةُ إلى معنى أسمى.

يقولَ اللهُ تعالى على لسانِ مريمْ عليها السلام: ( فقولي إني نذرتْ للرحمنِ صوما فلنْ أكلمَ اليومُ إنسيا) . سورةُ مريم: 26.

  هنا، يصبح الصمتُ نذرا، والصمتُ عبادة، والصمتُ لغةً أعلى منْ الكلام. لمْ يكنْ صمتُ مريمْ هروبا، بلْ موقفا، ولمْ يكنْ ضعفا، بلْ تسليما عميقا لله، وثقةُ بأنَ الحقيقةَ لا تحتاجُ دائما إلى شرح.

    وفي موضعٍ آخر، يذكرنا القرآنُ بأنَ تقليلَ الكلامِ بابَ منْ أبوابِ النجاة، وأنَ ليسَ كلُ ما يقالُ ينبغي أنْ يقال. أما لغويا، فالصمتُ هوَ الإمساكُ عنْ الكلام. لكنَ إنسانيا، الصمتُ أوسعَ منْ ذلكَ بكثير.

      الصمتُ هو: إنصاتٌ لما لا يقال، فسحةٌ بينَ الفكرةِ وانفجارها، مساحةٌ للتأملِ وإعادةِ التكوين، لغةٌ خفيةٌ لا يتقنها إلا المعيقون، هوَ حالةُ وعي، لا حالةَ فراغ. قالَ الحكماءُ قديما؛ إنَ الكلمةَ إذا خرجتْ منْ فمكَ ملكتك، وإذا بقيتْ في صدركَ ملكتها. وينسبَ للإمامِ علي بنْ أبي طالبْ (ع) قوله: " إذا تمَ العقلُ نقصَ الكلام. " الحكيمَ لا يكثرُ الكلام، لأنهُ يعرفُ أنَ المعنى كلما عظم، احتاجَ إلى صمتِ أطولَ ليولد.

      كانَ الحكماءُ يرونَ الصمتُ ميزانا: فمنْ صمتِ فكر، ومنْ فكرٍ عرف، ومنْ عرفَ نجا. رأى الفلاسفة، أنَ الصمتَ هوَ الحدُ الذي تقفُ عندهُ اللغةُ عاجزة. الفيلسوفُ النمساويُ ( لودفيغْ فيتغنشتاينْ) قالَ عبارتهُ الشهيرة: " ما لا يمكنُ الكلامُ عنه، ينبغي الصمتُ حياله. " الصمتُ ليسَ هروبا منْ الفكرة، بلْ احترامُ لعمقها.

      فبعضُ الأسئلةِ أكبرَ منْ الأجوبة، وبعضَ الحقائقِ لا تقالُ بلْ تعاش. أما الفلاسفةُ الرواقيون، فكانوا يرونَ الصمتُ تدريبا للنفس، ووسيلةٌ للسيطرةِ على الانفعالات، وطريقا للحكمةِ الداخلية. في حينِ يعرفونَ الأدباء؛ أنَ الصمتَ جزءٌ منْ الكتابة. فبينَ جملةٍ وأخرى، يسكنَ صمتٌ يمنحُ القارئُ فرصةَ أنْ يشعر، لا أنْ يقرأَ فقط. وبهذا الشأن؛ قالَ الأديبُ الفرنسيُ (ألبيرْ كامو) ما معناه: هناكَ أشياءُ لا يعبرُ عنها إلا بالصمتِ " والكاتبِ الحقيقيِ لا يكتبُ ليملأَ الصفحة، بلْ ليترك فيها فراغٌ نابض، فراغا يتكفلُ القارئُ بملئهِ بروحه. الصمتُ في الأدبِ هوَ ما يجعلُ النصُ حيا، لأنهُ يسمحُ للكلماتِ أنْ تتنفس.

        أما الشعرُ فهوَ ابنُ الصمت. فالشاعرُ لا يكتبُ إلا بعدَ صمتٍ طويل، وبعدُ حوارٍ داخليٍ قاس. وكثيرا ما يكونُ أجملَ بيتِ شعرا هوَ ذاكَ الذي ينتهي عندهُ الكلامُ ويبدأُ الإحساس.

      يقولَ أحدُ الشعراء: الصمتُ بيتَ القصيدةِ الأول، ومنْ لا يصمتُ … لا ينشد. الشعراءُ يعرفونَ أنَ الصمتَ ليسَ فقرا لغويا، بلْ ثراءَ شعوري. حتى المطربونَ والموسيقيون، الذينَ يظنُ أنهمْ أبناءُ الصوت، يدركونَ قيمةُ الصمت.

      فالصمتُ في الموسيقى ليسَ انقطاعا، بلْ جزءٌ منْ اللحن. الوقفةُ الموسيقيةُ قدْ تكونُ أبلغَ منْ أعلى نغمة. وقدْ قيلَ في الموسيقى: " الصمتُ هوَ الإطارُ الذي يجعلُ الصوتُ جميلا. المغني الحقيقيُ يعرفُ متى يغن، ويعرفَ متىْ يصمتُ ليتركَ للأثرِ أنْ يكتملَ في القلب.

     منْ هنا نخلص؛ بأن، الصمتُ ليسَ انسحابا منْ الحياة، بلْ عودةً إلى جوهرها. ليسَ انطفاء، بلْ نورٌ خافتٌ يحتاجهُ القلبُ ليرى. ليسَ خوفا منْ الكلام، بلْ احترامٌ للمعنى. في عالمٍ يصرخُ فيهِ الجميع، يصبح الصمتُ فعلَ شجاعة. وفي زمنِ الضجيج، يكون الصمتُ موقفا أدبيا، وفلسفيا، وروحيا.

      الصمتُ … هوَ أنْ تقولَ كلُ شيء، دونُ أنْ تنطقَ بشيء. في الصمتِ وجدتْ راحةَ بالي، وصنتْ صحتي، وابتعدتْ عنْ الجدالِ العقيمِ والنقاشِ الفارغ. تنزهتْ عنْ الغيبةِ والذم، وعرفتْ قيمةُ نفسيٍ حقِ المعرفة، وأبعدتها عنْ التدخلِ فيما لا يعنيني منْ قريبٍ أوْ بعيد.

   والأجملَ منْ ذلكَ كلهُ أنَ صمتي، كانَ كافيا لأحصلَ على اعتذارِ منْ كلٍ منْ أساءَ إلى، وبطيبتي المشهودة، فقدْ غفرتْ لهمْ وسامحتهمْ جميع، وقلبتْ صاحتْ الماضي.

 


مشاهدات 47
الكاتب محمد خضير الانباري
أضيف 2026/02/01 - 3:43 PM
آخر تحديث 2026/02/02 - 2:03 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 64 الشهر 834 الكلي 13932478
الوقت الآن
الإثنين 2026/2/2 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير