امرأة تُربك المعنى
رافد حميد فرج القاضي
هيَ لا تأتي
بل تُفاجِئُ المكان
كأنَّ الأزمنةَ نَسِيَتْ
موعدَها معها
فدخلتْ وحدَها
بخُطىً لا تُقاسُ بالمسافة
بل بالأثر...
امرأةٌ إذا جلستْ
استراحَ الكرسيُّ
من كونهِ خشبًا
وصارَ ذاكرة
وإذا نهضتْ
تبعها الظلُّ
لا ليحتمي
بل ليتعلّم...
في صوتِها
ماءٌ لا يعرِفُ الضفاف
وحكايةٌ بدأتْ
قبلَ أن تُختَرَعَ الحكايات
شيءٌ من ترابٍ
يعرِفُ الأسماء
وشيءٌ من هواء
يحفظُ الأسرار...
ليستْ ابنةَ ساعة
ولا رهينةَ مرآة
هيَ ابنةُ المعنى
حينَ يقرِّرُ أن يتجسَّد...
تضحكُ فتفقدُ
الأشياءُ صلابتَها
يذوبُ الحديدُ قليلًا
وتلينُ الجهات
ويُعيدُ القلبُ
ترتيبَ جهاتِهِ الأربع...
عيناها لا تنظران
بل تُنصِتان
كأنَّ الرؤيةَ عندها
نوعٌ من الإصغاءِ العميق
لِما لم يُقَلْ بعد...
وحينَ تتكلّم
لا ترفعُ صوتَها
الصمتُ نفسُه
يميلُ ليقترب
خشيةَ أن يفوتهُ المعنى...
هيَ ليستْ ذكرى
لكنّها تجعلُ الذاكرة
تُعيدُ النظرَ في نفسِها
وليستْ وعدًا
لكنَّ الغدَ يشعرُ بالخجل
إن مرَّ دونَها...
في مشيتِها
اقتصادُ الحكمة
لا خطوةَ زائدة
ولا تردّد
كأنَّ الأرض
تتّفقُ معها مسبقًا
على مكانِ القدم...
تعرفُ الحبَّ
لا بوصفِه نارًا
بل بوصفِه ضوءًا
يعرفُ متى يشتعل
ومتى يكتفي بأن يدلّ...
وحينَ تسأل
لا تطلبُ جوابًا
بل تفتحُ نافذة
ليتذكّرَ السؤال
أنّهُ وُجدَ ليتنفّس...
هيَ امرأة
لكنّها أكثرُ
من صيغةِ مفرد
أقربُ إلى الجمع
حينَ يكونُ متناسقًا
وأبعدُ من التعريف
حينَ يُصبحُ قيدًا...
تمرّ فيتحوّلُ
العابرُ إلى شاهد
والعاديُّ إلى احتمال
والوقتُ إلى شيءٍ
يمكنُ لمسُه...
لا تقولُ : أنا هنا
لكنَّ المكان
يعترفُ بها
ولا تقولُ : أنا جميلة
لكنَّ الجمال
يستعيرُ ملامحَهُ منها...
هيَ لا تُشبهُ أحدًا
لأنَّ الشبه
يحتاجُ مسافة
وهيَ قريبة
بما يكفي
لإلغاءِ المقارنة...
وحينَ تغيب
لا يحدثُ الفراغ
بل يحدثُ الانتباه
كأنَّ العالم
اكتشفَ فجأة
أنّهُ كان ينظر
دونَ أن يرى...