الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الصندوق المستتر

بواسطة azzaman

الصندوق المستتر

ثامر محمود مراد

 

في أعماق كل إنسان صندوقٌ خفيّ، لا يملك مفاتيحه سواه. فيه تُحفظ جراح الأيام، ودموع لم تجد لها صدراً تحتضنه. إنّه المكان الذي تُخبَّأ فيه الانكسارات بصمت، لتتحوّل مع مرور الوقت إلى نار هادئة، لا دخان لها، لكنها تترك أثرها على الروح كما يترك الملح ندوبًا على الجسد. الألم، في جوهره، تجربة شخصية عصيّة على القسمة. هو عبء لا يخفّ مهما تقاسمه الآخرون، لأن جذوره ممتدة في أعماق النفس. لهذا يختار الإنسان أن يدفنه بعيدًا عن الأعين، لئلا يصبح مادةً لشفقةٍ زائفة أو فضولٍ عابر. فالأوجاع الحقيقية أشبه بالسرّ الثقيل، لا يحتمل ضوء النهار. أما الفرح، فهو على النقيض تمامًا؛ ولادته لا تكتمل إلا بمشاركته. ما قيمة الضحكة إن لم تجد صدى في وجوه الآخرين؟ وما معنى النور إن ظلّ حبيس غرفة مظلمة؟ الفرح حين يُذاع يكتسب حياة أخرى، كأنّه شرارة توقظ ما تبقى من دفء في القلوب المنهكة. وحين يلتفّ الناس حوله، لا يفعلون ذلك فقط بدافع الحبور، بل لأنهم يبحثون في الفرح عن خلاصٍ مؤقت من ثقل الأيام. هكذا يتكشّف التوازن الإنساني: نخزّن الألم لئلا يُنهك العالم، ونبذل الفرح لعلّه يُنقذ العالم من الغرق. وما بين الكتمان والإعلان، يظل الإنسان كائناً هشًّا، يواصل رقصته وسط ليلٍ طويل، شاكرًا كل من بقي قريبًا منه، ولو بصمتٍ، كأن مجرد بقائهم اعترافٌ بأننا لم نُترك وحدنا تمامًا.

 


مشاهدات 38
الكاتب ثامر محمود مراد
أضيف 2026/02/01 - 3:59 PM
آخر تحديث 2026/02/02 - 12:51 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 23 الشهر 793 الكلي 13932437
الوقت الآن
الإثنين 2026/2/2 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير