الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
المشهد السياسيِ .. رؤية  ثلاثيةٍ الأبعادِ

بواسطة azzaman

المشهد السياسيِ .. رؤية  ثلاثيةٍ الأبعادِ

محمد خضير الانباري

 

شهدَ المشهدُ السياسيُ العراقيُ خلال اليومينِ الماضيين ثلاثَ أحداثٍ سياسيةٍ مهمةٍ ، تتعلقَ بالمرحلةِ الحاليةِ ، لما بعدَ الانتخاباتِ البرلمانيةِ الأخيرةِ يتمثل، أولهما، في خرقٍ دستوريٍ واضح، بتأجيلِ جلسةِ مجلسِ النوابِ المخصصةِ لانتخابِ رئيسِ الجمهوريةِ بذريعةِ عدمِ اكتمالِ النصاب، نتيجةُ حدةِ التنافسِ بينَ الحزبينِ الرئيسينِ في إقليمِ كوردستان، وهوَ ما يعدُ مخالفةً صريحةً لأحكامِ الدستورِ العراقيِ الذي ألزمَ المجلسُ بانتخابِ الرئيسِ خلالَ مدةٍ لا تتجاوزُ ثلاثينَ يوما منْ تاريخِ انعقادِ جلستهِ الأولى، وفقا للمادةِ (70/ أولاً ) ، منْ دونِ ربطِ هذا الاستحقاقِ بأيِ اعتباراتٍ قوميةٍ أوْ حزبية، لاسيما أنَ المادةَ (50) تجعلُ أداءَ اليمينِ الدستوريةِ منطلقا لممارسةِ المهامِ الدستورية، وفي مقدمتها انتخابَ رئيسِ الجمهورية، الأمرُ الذي يجعلُ إخضاعَ هذا الاستحقاقِ لمنطقِ التوافقاتِ السياسيةِ والأعرافِ غيرِ الدستوريةِ خروجا خطيرا على مبدأِ سيادةِ الدستور، ويكرسَ نهجُ المحاصصةِ القوميةِ والطائفيةِ تحتَ مسمياتِ التوازنِ ”و“ التوافق، وهوَ نهجٌ أثبتَ فشلهُ على مدى أكثرَ منْ عقدين، إذْ لمْ ينتجْ سوى تعميقِ الانقساماتِ السياسيةِ والاجتماعيةِ وتفتيتِ الدولةِ إلى ولاءاتِ ما دونَ وطنية، بما يفرغُ النظامُ الديمقراطيُ منْ جوهرهِ الحقيقي.

أما الحدثُ الثاني؛ فقدْ خرجتْ جماهيرَ بابلَ عنْ بكرةِ أبيها، بكلِ قراها ومدنها، مطالبةٌ بترشيح أحدَ أبنائها ممنْ تجدهُ أهلاً للمهمةِ ولخدمتها محافظاً لها، ممنْ يعرفُ تاريخها ووجعها وحضارتها المسلوبةُ فرشحتْ شخصيةٌ تؤمنُ بأنها قادرةٌ على قيادةِ المسيرةِ المحليةِ نحوَ الأفضل، وإعادةُ جزءٍ عزيزٍ ومفقودٍ منْ هويةِ بابل، تاريخا وحضارةٌ وكرامة. لكنَ الكتلَ السياسيةَ ما زالتْ تصرُ على مرشحها، لا حب بالكفاءة، بلْ تمسكا بالسلطة، وكانَ في الأمرِ فرعونا جديدا يخشى أنْ تكشفَ الأسرار، أوْ أنْ ينبشَ القبورَ لمعرفة، منْ هوَ القتيل؟ وكيفَ قتل؟ ومنْ المستفيدِ منْ طمسِ الحقيقة؟ وهذا يذكرنا بما تناولهُ القرآنُ الكريمُ في عرضِ قصةِ البقرةِ الصفراء، لا بوصفها حدثا تاريخيا مجردا، بلْ كمنهجٍ إلهيٍ لكشفِ الحقيقةِ مهما طالَ إخفاؤها. قالَ تعالى: ( وإذْ قتلتمْ نفسا فادارأتمْ فيها واللهُ مخرجُ ما كنتمْ تكتمون، فقلنا اضربوهُ ببعضها، كذلكَ يحيي اللهُ الموتى ويريكمْ آياتهَ لعلكمْ تعقلون) (سورةُ البقرة: 72 – 73 ) . في هذهِ الآيات، يبينَ ربُ العالمينِ أنَ الحقيقةَ لا بدَ منْ أنْ تظهر، وأنَ اللهَ كاشفٌ لما يرادُ لهُ أنْ يدفنَ في الظلام، وأنَ الخوفَ منْ الحقيقةِ هوَ ما يدفعُ البعض إلى المماطلةِ والجدلِ والبحثِ عنْ ذرائعَ لا عنْ عدالة. وهكذا تتكررُ القصة؛ بقرةً تذبحُ لتكشفَ جريمة، وسلطةٌ ترفضُ الذبحَ خوفا منْ انكشافِ الدم.في حينِ يتناولُ الحدثُ الثالث، وهوَ الأهمُ على الإطلاق، في ترشيحِ إحدى الكتلِ السياسيةِ لشخصيةٍ سياسيةٍ كبيرةٍ معروفةٍ لتولي رئاسةِ الحكومة، رغمَ المعارضةِ الوطنيةِ والإقليميةِ والدوليةِ والشعبية، لهذا الترشيح، باستثناءَ فئةٍ صغيرةٍ تحركها حساباتٍ مصلحيةً ضيقة. ومعَ ذلك، يستمرَ الإصرارُ في السيرِ بعكسِ إرادةِ الشعبِ وضدَ تطلعاته، وكأنَ هذهِ الشخصيةِ قدْ نالتْ تفويضا إلهيا، متناسينَ قولَ المرجعيةِ الشريفة: (المجربَ لا يجربُ ) . وهنا، يثار التساؤلُ المشروع: ألا يكفي ما مرَ بهِ العراقُ منْ أزماتٍ خلال عقدينِ منْ الزمنِ لنضعَ حدا لهذهِ الممارسات، ، ونختارُ الشخصَ المناسبَ في المكانِ المناسب؟ أمْ أننا ما زلنا نصر، خلافا لكلِ التجاربِ الديمقراطيةِ الرصينةِ في العالم، على التمسكِ بكلِ ما هوَ سلبيٌ تحتَ ذريعةِ التوافقِ السياسي؟


مشاهدات 36
الكاتب محمد خضير الانباري
أضيف 2026/01/28 - 4:47 PM
آخر تحديث 2026/01/29 - 4:20 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 133 الشهر 22020 الكلي 13529443
الوقت الآن
الخميس 2026/1/29 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير