حين يُصفّق العقل للكذب
معتصم الصالح
كلنا نعرف الحكاية الشهيرة عن الملك الذي خُدع بثياب لا تُرى، وعن الطفل الصغير الذي صرخ في النهاية بجملته الصادقة: "الملك عارٍ!" ففضح الحقيقة التي تجاهلها الجميع، ولو للحظة قصيرة.
تحكي القصة عن إمبراطور مغرور لا يهتم بشؤون الحكم بقدر اهتمامه بملابسه ومظهره. وفي أحد الأيام، يصل إلى مملكته خياطان محتالان، يزعمان أنهما يصنعان أجمل الأقمشة في العالم — لكنها غير مرئية لكل من هو غبي أو غير جدير بمنصبه.
الإمبراطور، وباقي الحاشية، يدّعون جميعًا رؤية الثياب خوفًا من أن يُتهموا بالغباء أو عدم الأهلية. وهكذا، يسير الإمبراطور في موكب علني عارٍ تمامًا، بينما الناس يصفقون وينافقون، حتى يصرخ طفل صغير من بين الحشود ويقول:
"لكن الإمبراطور عارٍ!"
في بعض النسخ، يواصل الإمبراطور الموكب رغم انكشاف أمره، خوفًا من الاعتراف بالحقيقة.
لكن، هل تساءلنا يومًا: ماذا حدث لذلك الطفل بعد أن نطق بالحقيقة في عالم الكبار؟
غالبًا، لم يُكافأ على صدقه، بل وُوجه بالتشكيك، وطلب منه أن يصمت، لأن "الكبار يعرفون أكثر"، ولأن "الملك يرتدي ثيابًا فاخرة فعلًا"، ولأن "الأدب يقتضي أن لا تتحدث بما تراه، بل بما يجب أن تراه".
ما جرى للطفل في الحكاية هو ما نعرفه اليوم باسم الغازلايتينغ* (Gaslighting):
ذاك التلاعب العاطفي الذي يحدث عندما يُطلب من الإنسان أن يُنكر تجربته الشعورية، أو يُجبر على رؤية الواقع بعيون غيره، لا بعينيه.
وهو يحدث كلما اصطدمت حقيقتان شعوريتان، ولم تستطع إحداهما تقبّل الأخرى، بل شعرت بأنها مهدَّدة منها.
الشعور الممنوع
في عالم الراشدين، لا مكان لردود الفعل الطفولية المباشرة.
لا يُسمح لك بأن تقول ما تراه، بل عليك أن تتعلم كيف "تُفلتر" مشاعرك، وتُخضعها لمعايير الجماعة، أو السلطة، أو السياق العام.
هناك دائمًا "حقيقة مهيمنة" يُراد للجميع أن يخضعوا لها.
وحين يُعبّر أحدهم عن إحساس يخالف السائد، يُقال له: "أنت لا تفهم"، "مشاعرك خاطئة"، "اسكت".
لماذا يُخيفنا الطفل الصادق؟
الطفل في الحكاية لم يكن بطلاً خارقًا.
هو فقط لم يتعلم بعد أن الحقيقة قد تكون ممنوعة.
لكن في اللحظة التي نطق فيها بالحقيقة، أصبح تهديدًا لمنظومة كاملة من الإنكار والتواطؤ.
ولذلك، سارع المحيطون به إلى إسكات صوته، لا لأنه أخطأ، بل لأنه فضح الخطأ الجماعي.
ما بعد "الملك عارٍ"
نحن لا نعيش في حكاية خرافية.
في عالمنا الواقعي، مَنْ يقول "الملك عارٍ" قد لا يُكافأ، بل يُهمّش، يُسخَّف، أو يُتهم بأنه لا يفهم.
وهكذا يُعاد إنتاج الصمت... جيلاً بعد جيل.
وربما هذا هو الدرس الحقيقي من الحكاية:
أن الصدق ليس دائمًا بطوليًا أو مرحَّبًا به.
وأن المجتمع – حتى وهو ينهار تحت ثقل الزيف – قد يختار إنكار الحقيقة، فقط لأن سماعها مؤلم.
لكن، مع ذلك، سيبقى هناك دائمًا طفل، في زاوية ما، يقول بصوته المرتجف:
"الملك عارٍ."
*كلمة "الغازلايتينغ" (Gaslighting) هي مصطلح نفسي واجتماعي يُستخدم لوصف نوع خفي وخبيث من التلاعب العقلي والعاطفي، حيث يحاول شخص ما (أو مؤسسة أو سلطة) أن يجعل الطرف الآخر يشك في واقعه، ذاكرته، أو مشاعره، حتى يسيطر عليه أو يدفعه للرضوخ. ترجع الكلمة إلى مسرحية ثم فيلم شهير من أربعينات القرن العشرين اسمه "Gaslight"، حيث يقوم الزوج بخداع زوجته عمدًا، ويُطفئ أضواء الغاز قليلاً كل ليلة، ثم يُنكر ذلك عندما تلاحظ التغيير، ليجعلها تشك في عقلها.