الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
قصيدة غزاي درع الطائي الأخيرة.. الحب مكتوب على مسلة عراقية


قصيدة غزاي درع الطائي الأخيرة.. الحب مكتوب على مسلة عراقية

 شاكر كتاب

 

أنا من المؤمنين بنظرية الفيض سواء في الخلق او في الاخلاق او في الإبداع الفني والادبي بشكل عام. نجد احيانا ان كاتباً معيناً تتراكم في دواخله مكونات تجربة شعورية او فكريّة بحوافز خارجية فاعلة مؤثرة او تأملات داخليّة عميقة تستمد خيوطها من ذكريات للحظات مضت لكنها في الحقيقة لم تمضِ بل استقرت في اعماق صاحبها. وهناك حقيقة في هذا الجانب هي ان التجربة الكامنة في اعماق الشاعر او اي كاتب تتشابه مع الكائنات الحية في بدء التكوّن ثم النمو الهادئ البطيء إلا انها، وكما هو الكائن الحي في أطوار الصيرورة، تصل حدا من الفاعلية في اعماق الشاعر تمد معها عنقها إيذاناً بقرب ولادتها شاء الكاتب ام لم يشأ. هناك مشكلة اخرى. ان التجربة هذه تفصح عن نفسها وعن رغبتها في ان تولَد وتتشكل على هيئة كائن له أبعاده من حجم وشكل وأجزاء. وما ان تدلي برأسها وتلاقي صعوبة ما في الانبثاق والحضور فيكون الشاعر مضطرا ان لا ينتظر استكمال الجنين بناءه فيبادر إلى المساعدة في الولادة فيسطّر اولى حروفها، مطلعها، مدخلها.

ذات اديبة

 لكن هنا وبعد قليل من المخاض نجد ان القصيدة الكائن المولود يروح هو نفسه يستكمل ولادة بقية اجزائه. وهذا من سحر الولادات الفنية وروعة لذّاتها الأدبية وهو ما اعنيه بالفيض. وهذا بالضبط، كما يبدو لي، ما حدث مع قصيدة غزاي درع الطائي الأخيرة (الحب مكتوبا على مسلة عراقية) التي نشرها في مواقع التواصل الاجتماعي وزوّدني بها ملبيّاً رغبتي مشكوراً. طلبتها منه لأنني وجدت ان هناك بعض العسر في بدايات ولادتها وكأني تلمست ان غزاي شعر بتكوّن التجربة - الوليد في داخله واراد ان يعلنها وهذا ما لا يجوز للشاعر خشية ان يعرضها للإجهاض قبل نضوجها. لكن الغريب الجميل الذي حدث وكما قلت في مقدمتي أعلاه ان القصيدة ما ان اجبرها غزاي على ان تطل برأسها حتى راحت هي بكل حيويتها وعنفوانها تستكمل ولادتها بنفسها وحضور بقية مكوناتها. ظاهرة لم الحظ مثلها في كل اطلاعي المتواضع على الشعر ولاسيما القصائد العمودية إلا نادرا ولهذا النادر تنتمي قصيدة السياب «أنشودة المطر» مثلا و»أولد واحترق» بحبي للبياتي.

غزاي ملغوم بالمتفجرات الشعرية ومتى ما أن تجسه حتى تنفجر قصيدة أو صورة او حتى عبارة. والمشكل الجميل هنا الذي يطاق ولا يطاق ان غزاي شاعر غنائي رغم كل مساعي الدراما التي تحاول فرض نفسها على نصوصه. وطبيعي ان تلاقي الدراما بالغنائية له باع طويل وإرث جميل في تاريخنا الادبي وعلى الاخص في شعر الحنين والأشواق والرثاء بدءاً من بكائياتنا على الأطلال وصولاً إلى خمريات ابي نؤاس وابي العتاهية مروراً بلطميات شعراء الحب المفجوع مثل قيس بن الملوح وجميل بثينة وكثير عزة وغيرهم. من القصائد المختلطة بين الوجدانية والدراما يحدث احيانا ان يتغلب أحد الجانبين ليطغى فيكون عنصراً غالباً كما يترجح العاطفي عند ابي فراس الحمداني او كما تنفلت الرغبات عن امرئ القيس في كثير من مواضعه الشعرية. لكننا نلمس في شعر حسان بن ثابت غلبة العنصر الدرامي في بناء مشهد رثاء النبي محمد «ص» رغم ثورة العاطفة، وقد يأتي هذا من مواصلة شعر حسان لطبيعته الفنية منذ ما قبل الإسلام. لكن من الشعراء من يتغلب في قصيده العنصر العقلي وبالتالي الصراع على الوجدان فيوظفه لصالحه كما عند أبي تمام والمعري والمتنبي. إن غزاي وهو سليل هذا التاريخ الادبي يتصارع في قصيدته الأخيرة عنصرا العاطفة والدراما العقلانية. لكن لاحظوا معي ان الجزء الاول من القصيدة وهو الذي اظنه جاء بشيءٍ من العسر واللّي في حين ما أن تبدأ القصيدة حتى تروح تنساب من بين يديه لتكتب نفسها بنفسها وتستكمل هي بيدها بناء بقية أجزائها او لنقل مكوناتها الأخرى. قصيدة ينبغي ان تنال مكانتها في شعرنا الحديث. في مطلع القصيدة نراه يأتي بجمل مبتدأ وخبر ثم تأخذ بالتصاعد حتى، وكما يبدو لي، أن القصيدة راحت تكتب نفسها وتستكمل ولادتها.

 الحبُّ حرٌّ كأسراب العصافير لا يشترى بحريرٍ أو دنانيرِ

ما كانَ يوما له سعرٌ كما زعموا فإنه خارجٌ عن كل تسعيرِ

معنى تمهيد

كلام موزون مقفى إنشائي خبري لكنه ذو معنى تمهيدي وكأنه يوحي بقدوم ما هو أبعد من الإبلاغ عن طبيعة الحب رغم صورته الجميلة في حريته «كأسراب العصافير» وهذا مفتاح لما هو أبعد وأعمق رغم أنني أجد البيت الثاني قد أغرق في نثريته ومباشرته لكنه ما زال في مجال الإيذان بقدوم شيء أهم منه. وقد يكون هذا هو شأن الكثير من المطالع والبدايات في النصوص الشعرية. لقد تابع موضوعة افتتاحية القصائد كل من يوسف الصائغ في كتابه (الشعر الحر فب العراق...) وياسين النصير في كتابه (الاستهلال فن البدايات في النص الأدبي) وفي معالجات نقادنا القدامى واغلبها يلتقي عند تحديدها على أنها لا تعدو أن تكون مفاتيح تفتح الطريق للقصيدة نفسها نحو عالمها الأعمق والأبعد رغم بداعة بعضها حتى أنها صارت عناوين مشهورة لهذه القصائد: يا دجلة الخير للجواهري، مطريات السياب، قفا نبك، وغيرها. لكن ياسين النصير يمنح الاستهلال قيمة فنية مفتاحية يجعله من جواهر القصيدة لاسيما الفص الخاص بمطالع شعر السياب.في البيتين الثالث والرابع يواصل الشاعر غزاي خبرياته لكنه يبدأ بالتعمق لاسيما حين يجعل طيبة الحب خبز التنانير وحرارته ولذته بل وأطيب منه. القارئ هنا يشعر بحرارة خبز التنانير ولذته بل الحب أطيب من خبز التنانير. وأظن أن القصيدة منذ هذه اللحظة تروح تتفلت من يد الشاعر لتسطر نفسها بنفسها وهي تغرف من عمق مشاعر غزاي فتحافظ على نسبها واصلها مع التمسك باستقلاليتها عنه. وتبدأ رحلة الاستسلام مع الآمر والمأمور حين نقع في حبهنَّ وحتى اللجوء للاستغاثة بحجةٍ تأبى النقض ترسمها وصية رسولنا «رفقا بالقوارير» لنضع قلوبنا بين يدي رحمتهن فنحن بين أمّار ومأمور. وغزاي في كل تنويعات عباراته الشعرية يشي بقدرات التحكم بخزينه اللغوي الثري ولا أقول هنا ان الوزن (البسيط) أملى عليه العبارات الشعرية بل أنها جاءت طواعية لتصطف مع صور وتعابير بدأت تتصاعد في جماليتها وتتظافر مع بعضها لترسم صورا تتماسك فتؤسس مشهدا شعريا يهيمن على القصيدة لا بشكله فحسب بل في تهويماته التي لم يعد لدى الشاعر لا الرغبة ولا القدرة على السيطرة عليها.تقود القصيدة الشاعر من المباشرة حتى أعماق البحر وآفاقه وعرضه حيث له سفن « أطلقتها فتلاشت في الأعاصيرِ» هنا أمامنا صور تتماسك بل تتلاحم لتغدو مشهدا مليئا بالحيوية « سفن تتلاشى وأعاصير « كلها توريات عن حب عاصف متعدد الأبعاد بين عمق وإعصار وأفق وبحر. قدرات الشاعر في الحب هي عوالم غير محدودة لكننا سنكون منذ الآن في رياح قصيدة بلا شاعر، قصيدة كتبت نفسها، تعلن عن عالمها، مصدرها أوجاع غزاي درع الطائي ورؤاه الشعرية الرقيقة وكأنها من جسد طفلٍ غضٍّ لكنه فوّار بالحب والحنين لملاقاة عالم يأتي ولا يأتي.غزاي شاعر يصرخ بهدوء واصطبار لذلك تمتد تجربته وتتناسل وتنتشر كما النسيم لا يسمع صوته إلا من يصيخ السمع ويقترب من أعماق عالمه. فهو رغم كل لوم اللائمين يستمر في الحب ويستمر نزيف الحب فيه ومنه بل ويسره هذا الوقوع في أسر الحب. قديما قال أبو نواس: دع عنك لومي فإن اللومَ إغراءُ  وداوني بالتي كانت هي الداءُ.

يواصل الشاعر عناده وتمسكه بالحب الذي يحبه ويحب حتى عذاباته فتنطلق صورة مركبة تجمع أطرافا ما كانت لتلتقي لولا أحاسيس جياشة تضبطها قدرة فنية كاملة ترسم نفسها وتخط اجزاءها بيدها:

غنيت أغنيتي في ظل بسمتها   كالماء حين يغنّي في النواعيرِ الأغنية، الظل، البسمة، الماء والنواعير، عالم عريض جميل في بيت واحد لا أظن أنه جاء بقرار وتريث إنما انبثق تلقائيا لأنه طاقة فعّالة لابد أن تنطلق من مكمنها لكنها لا تولد إلا بزيّها الذي يناسبها وليس أجمل من هذا البيت بهذه الصور ان يكون ثوبا لها.

في إحدى تجاربه حاول فاضل العزاوي أن يدع قصيدته تكتب نفسها لكنه قتلها بيده عندما حاول استيلادها والتدخل في نموها. فراحت منذ ان اطلّت برأسها تعاني الاختناق وقبل أن تكتمل ماتت بين يديه. في رواية زوربا نجد من يتدخل بحسن نية لمساعدة العذراء كي تغادر شرنقتها فتموت بسبب تدخلّ قوة خارجية غريبة حالت دون استكمال شروط الولادة الطبيعية التي لا تتوفر إلا بنضوجها الطبيعي المتسلسل.

قصيدة غزاي هذه أدهشتني لأنها ولدت وحدها ومعينها عالم عميق متسع في حراك فوّار كالمياه الجوفية تبحث عن منفذ لها لتتفجر فتفجرت. هل نبخس حق الشاعر هنا؟ لا أبدا. أن قصيدته هذه وليدته هو، وعالمها أعماقه، وشدوها من أغانيه، ومبعثها جيشان مشاعره وعاطفة لا تحدها حدود سوى تمكن الشاعر منها ليدلها الطريق ويدلها على مناراتها. ولنا أن نتصور حاله وهو في ساعات مخاضها.

وما زلت أحاول ألا أبخس دور الشاعر فهو منبع القصيدة وخالقها لكن لنعترف كم من مخلوق يخرج عن سيطرة الخالق. ومع ذلك ولكي أكون أكثر إنصافا، أقول أن هناك تنازعا على السيادة والقيادة بين الشاعر والقصيدة ولكي أثبت ذلك أقول أن المنطقة الوسطى من هيكل القصيدة يشكل القطعة الأرجوانية في القصيدة إذ تصاعدت أنفاسها وراح شهيقها يسمع فتكور المنتصف على كل خيوط الفكرة والتجربة وألوانها ومعانيها. في «أنشودة المطر» يأخذنا السياب منذ صورتها الأولى:

عيناك غابتا نخيل ساعة السحر

أو شرفتان راح ينأى عنهما القمر

عيناك حين تبسمان تورق الكروم

وترقص الأضواء كالأقمار في نهر

 يأخذنا إلى أعماق القصيدة ومجالاتها الفنية الساحرة وتبقى القصيدة فوارة منسكبة من قلبه حتى يضطر للسكوت اضطرارا وإلا فمن غير المعقول أن تستمر القصيدة في التوالد إلى يوم يبعثون. كان يجب أن تسكت القصيدة يوما ما أو لحظة ما فسكتت لكن انتقل جيشانها إلى صدور قرائها وتناقلت الأجيال حرارتها وما زال وهجها لم ينطفئ. سر وجودها الدائمة غنائيتها الصادحة بآلام وأوجاع يشترك فيها البشر لاسيما العراقيون. في المقطع الأرجواني لقصيدة غزاي غنائية فيها ظلال من آثار الغناء الشعري العربي المشحون بالوجع لكنه وجع مبعثه الحب الذي لا ينتهي للنساء إنما يتداخل بحب الوطن بعد أن يعبر جسرا يربط بينهما، تمكن غزاي من خلقه برشاقة وخفة غير مسببة ما تسببه الاستدارة السريعة المفاجئة غير المحسوبة لسائق غير منضبط:

الحبُّ يخر ج مِن قلبي إلى وطني   كالماءِ يخر ج مِن بين النوافيرِ

الله يا وطني الله يا وطني   أنتَ الذي فيك تكويني وتدويري

كان بإمكان صورة «كالماء يخرج من بين النوافير»ِ أن تكون أكثر حيوية فعلية لو استبدل الفعل يخرج فصارت ينبثق أو يتفجر لأن الماء لا يخرج من النوافير خروجا إنما يندفع اندفاعاً وربما هناك غاية أخرى عند الشاعر غير الوزن لم أفقهها

 وجسر غزاي يختلف عن جسر غسان كنفاني في قصته « البومة في غرفة بعيدة» وأقصد صورة البومة على الجدار التي عدَّها إحسان عباس جسرا. الجسر عند غزاي استدارة خفية يشعر بها القارئ لكن لا صوت لها أبدا وجسر غسان مادي ملموس. فنيا غزاي الإنسان الشاعر العاشق بلا حدود للمرأة التي يختلط عطرها بعبق تراب الوطن أو العاشق للوطن بثياب مخملية لامرأة ساحرة لا يمكن الإمساك بها مهما طاردها كما كان يبحث عنها حسب الشيخ جعفر، غزاي هنا يقترب اليوم من امنياتي أن أجد شعرا يعرف معنى الحب الوجودي والعشق الكوني لكن غزاي يشحن أوزانه وقافيته ولغته رقةً وجمالا سيطرق يوماً باباً يلج منه، إذا ما انفتح له، إلى غرام الأساطير ولوعة عشاق حاناتها التي تتسورها سيدات الحب المطلق فارعات الطول مترعات القامة والمتعطرات بعبق تراب الأرض، أرض الوطن.


مشاهدات 44
الكاتب  شاكر كتاب
أضيف 2026/01/10 - 12:02 AM
آخر تحديث 2026/01/10 - 9:51 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 363 الشهر 6939 الكلي 13114362
الوقت الآن
السبت 2026/1/10 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير