الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الموصل..  حين تتقدّم الحاضرة على الدولة

بواسطة azzaman

الموصل..  حين تتقدّم الحاضرة على الدولة

ربيع الحافظ

 

ليست كل المدن سواء. فبعضها يسكن الجغرافيا، وبعضها يصنع التاريخ. والموصل من الصنف الثاني؛ مدينة كلما ظنّ الناس أنها انكسرت، عادت لتعيد تعريف ذاتها. اليوم، وفي لحظة إقليمية مضطربة، تبدو الموصل واقفة عند مفترق تاريخي جديد، لا تسأل فيه كيف تنجو، بل كيف تستعيد موقعها.

الحواضر لا تموت حين تسقط الدولة، بل تتيتم. واليُتم في حياة الحواضر ليس نهاية، بل اختباراً لطبيعة مجتمعها. فالمجتمع هو روح الحاضرة، والدولة إطارها المنظّم. فإذا غاب الإطار، بقيت الروح تبحث عن صيغة تحفظ بها ذاتها. عندها تتقدم المدينة على الدولة، ويتحوّل المجتمع من متلقٍّ للحماية إلى منتج لها.

شرعية الحاضرة في زمن انهيار الدولة

تمثل الموصل مثالاً بارزاً لذلك. ففي عام 1743، حين حاصرها نادر شاه في طريقه لمنازلة الدولة العثمانية، تصدت له المنظومة الأسرية بقيادة حسين باشا الجليلي، فملأت الفراغ الإداري الذي خلّفه ضعف الدولة آنذاك. لم يكن صمود المدينة مجرد مواجهة عسكرية، بل لحظة تأسيس رمزية لعلاقة خاصة بين الحاضرة وقيادتها المحلية.

في تلك اللحظة تكرّست شرعية القيادة المحلية بوصفها الأقرب إلى المجتمع والأقدر على إدارة الأزمات عند ضعف الدولة، وتداخل المجتمع بالسلطة، وترسخت فكرة أن الأسر والأعيان يشكلون معاً بنية حماية ذاتية. كما عززت المرحلة طابع المدينة الجامع، إذ فتحت أبوابها أمام أهالي القرى المسيحية للاحتماء داخل أسوارها من سياسة الأرض المحروقة لنادر شاه، فاختار البعض الاستقرار في الموصل بعد انتهاء الحصار ليصبحوا جزءاً من نسيجها الاجتماعي، ما عمّق دورها كصمّام أمان لعموم لولايتها وليس مركزها فقط.

القائلون بأن ذاك زمن مضى بخصوصياته وظروفه مصيبون ومخطئون، صحيح أن نادر شاه فشل في اقتحام الموصل وأنها اليوم واقعة تحت نفوذ مليشيات تتحكم بمفاصل الحياة فيها، غير أن البحث عن القواسم المشتركة لا يزال مشروعاً؛ إذ قد تختلف الأشكال، لكن الآليات الاجتماعية الكامنة تتشابه.

من الإدارة الجليلية إلى الفعل الأهلي

ما قامت به الإدارة الجليلية المركزية في الموصل الحرة من ملء لفراغ الدولة، تتولاه اليوم الأسر في الموصل المحتلة بصيغة لا مركزية؛ مدينة خرجت مثقلة بخراب معارك إخراج داعش، ثم وجدت نفسها تحت سيطرة المليشيات. غير أن الغاية في الحالتين واحدة: حماية الحاضرة من السقوط في دوامة الانحلال.

ولافت أن استحضار حسين باشا الجليلي في الذاكرة الشعبية يقترن اليوم برواد العمل الخيري الذين يسعفون المدينة، كما تُستدعى رابعة خاتون الجليلي رائدة العمل الخيري في الإدارة الجليلية وذلك في سياق الحديث عن ريادة النساء الموصليات في مشاريع العمل الخيري. هذا الاستحضار ليس مجرد مقارنة عاطفية، بل مؤشر على إدراك عميق لوحدة الآلية عبر اختلاف العصور وهو _ في مفهوم التخطيط _ أكثر من نقطة المنتصف على طريق بلورة الحلول.

فقد أعيد بناء الجوامع والمدارس، ونُظّمت الحملات الإغاثية، ووُفّر الدواء المجاني للمتعففين، ورُعي الأيتام والأرامل، وأُطلقت برامج للتأهيل المهني. كما نشأت مراكز تفكير تؤدي دوراً يشبه أجهزة إدامة الحياة؛ تحفظ النبض الاجتماعي إلى أن يستعيد الجسد عافيته، إلى جانب صالونات تعقد في بيوت الأسر تحضرها النخب وتفكر لمصلحة المدينة. هذا الفعل الأهلي لا يعكس حنيناً إلى الماضي بقدر ما يعبر عن استمرار آلية اجتماعية تاريخية: إدامة أجهزة المجتمع حتى لحظة التغيير.

من تجسير الماضي إلى صناعة المستقبل

لقد نجح أهل الموصل في تجسير الحاضر بالماضي، مستندين إلى ذاكرة تاريخية لم تنقطع، وإلى خبرة اجتماعية راكمتها المدينة في مواجهة الانقطاعات المتكررة. غير أن استعادة الماضي، على أهميتها الرمزية، لا تكفي في زمن تتخذ فيه الغارات أشكالا متجددة، وتأتي من منافذ لم تكن مألوفة في السابق. فالتاريخ لا يُستدعى بوصفه حنينا، بل بوصفه خبرة في إدارة اللحظة الحرجة.

 إذا كان التجسير بين الماضي والحاضر تجسيراً تفسيرياً، فإن التجسير بين الحاضر والمستقبل هو فعلٌ وقائي؛ أي تحويل الخبرة التاريخية إلى بنية استمرارية تمنع الانقطاع. فالقاسم المشترك بين 1743 و2026 لم يكن حدثاً بعينه، بل آلية اجتماعية متكررة: إبقاء أجهزة المجتمع فاعلة حتى لحظة التحول، والحفاظ على انتظام الحياة العامة، وصون شبكة العلاقات والمؤسسات ريثما تمرّ العاصفة. وهذا المبدأ ذاته يمكن أن يشكّل معيار المرحلة المقبلة، كلما تجددت التحديات بأسمائها المختلفة. فالحواضر اليقظة لا تصف الماضي فحسب وإنما تستشرف المستقبل.

الموصل كنموذج حضري ممتد

دراسات التاريخ العثماني للموصل تشير إلى مهارة أهلها في إدارة شؤونهم ضمن فضاء إقليمي أوسع من الحدود السياسية الضيقة. كانت الموصل أكبر سنجق في الدولة العثمانية، وأسند إلى قادتها أدوار عسكرية وإدارية خارجها (قاد أمين باشا الجليلي الجيش العثماني في الحرب ضد روسيا وتولى حسين باشا الجليلي إدارة ولايات في الأناضول). وبعد تأسيس الدولة العراقية الحديثة، غدت الموصل درة تاج الدولة..المدن الكبرى ليست وحدات إدارية، بل مراكز ثقل حضاري. وحين تتوافر لها شروط الفاعلية، تتحول إلى مفتاح يفتح سائر الأقفال.

حين يعيد التاريخ ترتيب الحاضرة

 تبدّلت الموصل كثيراً حين تولى مجتمعها ملء فراغ الدولة منذ عام 2003 فقد قدم الميسورون أموالهم لتمويل إعادة البناء، وساندهم الأبناء المغتربون، فيما تجاوزت حماسة الإعمار وروح الإبداع لدى

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 91 الشهر 4088 الكلي 14958157
الوقت الآن
الخميس 2026/3/5 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير