طهران ترد على إحتجاج طشقند: منشورات سفاراتنا موجّهة إلى واشنطن
طشقند - أحمد جاسم الزبيدي
في محاولة لاحتواء الجدل الدبلوماسي الذي أثارته منشورات عدد من السفارات الإيرانية بشأن مدينة سمرقند الأوزبكية، أكدت وزارة الخارجية الإيرانية أن تلك المنشورات لم تكن موجهة إلى أوزبكستان، وإنما إلى الولايات المتحدة، رداً على تصريحات أمريكية تناولت الحضارة الفارسية وتاريخها.
وجاء الموقف الإيراني على لسان المتحدث باسم وزارة الخارجية إسماعيل بقائي، خلال مؤتمره الصحفي في طهران يوم 26 تشرين الأول الجاري، بعد ثلاثة أيام من استدعاء وزارة الخارجية الأوزبكية السفير الإيراني في طشقند وتسليمه مذكرة احتجاج رسمية، طالبت فيها بحذف المنشورات التي وصفت سمرقند بأنها جزء من التراث الحضاري الفارسي.
وكان أحد الصحفيين قد سأل بقائي عن ردود الفعل التي أثارتها منشورات بعض السفارات الإيرانية في مواقع التواصل الاجتماعي، والتي تناولت زيارة وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو إلى أوزبكستان، وما إذا كان هذا الجدل يمكن أن يؤثر في علاقات البلدين.
واستهل المتحدث الإيراني إجابته باستحضار أبيات شعرية للشاعر الفارسي رودكي، الذي تغنى بمدينة بخارى، قائلاً:
»نسيم نهر موليان يهب علينا،
وصورة الحبيب تملأ قلوبنا،
وكأن طريق الرمال من حرير،
تمتد تحت أقدامنا«.
ثم أضاف أبياتاً تتمنى لبخارى السعادة وطول العمر، في إشارة إلى الروابط التاريخية والثقافية التي تجمع شعوب المنطقة.
تراث حضاري
وفي توضيح نشره لاحقاً عبر قناته في تطبيق تلغرام، قال بقائي إن العلاقات والروابط بين إيران وأوزبكستان ليست وليدة اليوم أو الأمس، وإن سمرقند وبخارى، إلى جانب مدن ومناطق تاريخية أخرى في آسيا الوسطى والقوقاز وشبه القارة الهندية، تمثل جزءاً من التراث الحضاري والثقافي المشترك بين إيران وشعوب هذه المناطق. وأضاف أن بلاده تعتز بهذا الإرث المشترك، وترى فيه أساساً لتعزيز علاقاتها مع دول الجوار، مشيراً إلى أن ما صدر عن بعض السفارات الإيرانية كان موجهاً إلى الجانب الأمريكي، بهدف التذكير بما وصفه بعدم دقة التصريحات الأمريكية والإساءات الموجهة إلى الحضارة والثقافة والتاريخ الإيراني.
وأكد بقائي أن الإرث الإيراني الإسلامي المشترك حاضر في مختلف أنحاء المنطقة، وأن طهران تولي أهمية كبيرة لعلاقاتها مع الدول المجاورة، معتبراً أن هذا التاريخ المشترك ينبغي أن يكون جسراً لتعزيز الصداقة والتعاون بين الشعوب.
كيف بدأت الأزمة؟
غير أن المتحدث الإيراني لم يتطرق بصورة مباشرة إلى مذكرة الاحتجاج الأوزبكية، ولا إلى مطالبة طشقند بحذف المنشورات، مكتفياً بتوضيح خلفيات الموقف الإيراني. تعود بداية الخلاف إلى زيارة وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو إلى أوزبكستان في 19 تشرين الأول الجاري، حيث شارك في اجتماع مع وزراء خارجية دول آسيا الوسطى بمدينة سمرقند، وزار ساحة ريجستان التاريخية، ونشر مقطع فيديو تحدث فيه عن المكانة التي احتلتها المدينة عبر التاريخ في حركة التجارة العالمية.
وقال روبيو في رسالته المصورة إن من الصعب العثور على أماكن في العالم أدت دوراً مماثلاً لدور سمرقند في التجارة والتبادل التجاري عبر العصور، معرباً عن اعتزازه بوجوده فيها، ليس لاستذكار تاريخها فحسب، بل للتفكير أيضاً في فرص المستقبل.
لكن زيارة روبيو أثارت اهتمام الدبلوماسيين الإيرانيين، على خلفية خطاب سابق ألقاه في العاصمة اليونانية أثينا يوم 7 تشرين الأول، تحدث فيه عن المواجهات التاريخية بين الإمبراطورية الفارسية واليونان القديمة، مشيراً إلى إحراق المعابد في أثينا وتدمير أجزاء من الأكروبوليس على يد القوات الفارسية، مقدماً الدولة الفارسية القديمة بوصفها خصماً للحضارة الغربية. وأثارت تلك التصريحات استياء في إيران، لتأتي صور روبيو في سمرقند وتفتح باباً جديداً للسجال بين الدبلوماسيين الإيرانيين والأمريكيين، ولكن هذه المرة من بوابة التراث التاريخي.
فقد نشرت سفارات إيرانية في عدد من الدول تعليقات ساخرة على منصة «إكس»، كان أبرزها منشور السفارة الإيرانية في بلغاريا، الذي خاطب روبيو بالقول إن من ينتقد الحضارة الفارسية يقف في الوقت نفسه أمام أحد نماذجها الثقافية في سمرقند.
أما السفارة الإيرانية في هولندا، فوصفَت ساحة ريجستان بأنها تحفة من روائع التراث المعماري الفارسي، ونصحت الوزير الأمريكي بضرورة الاطلاع على التاريخ بصورة أفضل.
حضارة فارسية
كما أشارت السفارة الإيرانية في أرمينيا إلى أن الموقع الذي ظهر فيه روبيو يمثل جزءاً من الحضارة الفارسية. وأثارت هذه المنشورات ردود فعل غاضبة في الأوساط الأوزبكية، ولا سيما أن سمرقند وبخارى وخيوة تمثل ركائز أساسية في التاريخ الوطني الأوزبكي، وتحمل رمزية ثقافية وحضارية تتجاوز حدود الجغرافيا. احتجاج أوزبكي وحذف المنشورات لم تكتف طشقند بالرد عبر وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، بل اختارت القنوات الدبلوماسية الرسمية.
ففي 23 تشرين الأول، استدعت وزارة الخارجية الأوزبكية السفير الإيراني لدى أوزبكستان محمد علي إسكندري، وسلمته مذكرة احتجاج رسمية، طالبت فيها الجانب الإيراني بحذف المنشورات التي تتناول التراث التاريخي لسمرقند من منظور أحادي وتوظيف سياسي، وعدم السماح بتكرار مثل هذه التصرفات.
وأكدت الوزارة، بحسب المتحدث باسمها أمان الله فايزيف، أن الإرث التاريخي لسمرقند وبخارى وخيوة وغيرها من المدن العريقة يعكس تاريخ الشعب الأوزبكي الممتد وتقاليده العريقة في بناء الدولة والحضارة.
وعقب الاحتجاج، بدأت السفارات الإيرانية المعنية بحذف منشوراتها. وأفادت تقارير إعلامية أوزبكية بأن المنشورات المثيرة للجدل أزيلت من حسابات السفارات الإيرانية في خمس دول هي أرمينيا وبلغاريا وزيمبابوي وفنلندا والصين.
وكانت السفارة الإيرانية في أرمينيا من بين أولى السفارات التي حذفت منشورها الذي وصف سمرقند بأنها جزء من الحضارة الفارسية.
التاريخ المشترك بين الثقافة والسياسة
لا يمكن فصل هذا السجال عن التوتر القائم بين واشنطن وطهران، إذ جاء في وقت تشهد فيه العلاقات الأمريكية الإيرانية مواجهة سياسية وعسكرية ودبلوماسية متواصلة، انعكست آثارها على الخطاب الإعلامي ومواقع التواصل الاجتماعي.
لكن ما يميز هذه القضية أن الخلاف لم ينشأ حول ملف سياسي أو اقتصادي تقليدي، بل انتقل إلى ميدان التاريخ والهوية الثقافية، حيث تداخلت الروايات الحضارية مع الحسابات السياسية المعاصرة.
فمن المعروف أن مدن آسيا الوسطى، وفي مقدمتها سمرقند وبخارى، كانت عبر قرون طويلة ملتقى للثقافات واللغات والحضارات، وتأثرت بمختلف المكونات الثقافية الفارسية والتركية والإسلامية وغيرها. غير أن الاعتزاز بالتأثيرات الحضارية المتبادلة لا يلغي حق كل شعب في صون هويته الوطنية وتاريخه وتراثه.
وتكشف الأزمة، في جانب منها، حساسية التعامل مع الرموز التاريخية في العلاقات الدولية، خصوصاً عندما تتحول مواقع التواصل الاجتماعي إلى ساحة للتراشق السياسي والدبلوماسي.
وبينما تحاول طهران تقديم منشورات سفاراتها باعتبارها رسالة موجهة إلى واشنطن، تؤكد طشقند أن تراث مدنها التاريخية ليس مجالاً للتوظيف السياسي أو التفسير الأحادي.
وهكذا وجدت سمرقند، المدينة التي كانت يوماً ملتقى القوافل التجارية والثقافية على طريق الحرير، نفسها مجدداً في قلب جدل دولي، لكن هذه المرة عبر منشورات إلكترونية ومواقف دبلوماسية تتجاوز حدود التاريخ والجغرافي