الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
من المعارضة إلى المحاصصة والتوريث

← بواسطة azzaman

من المعارضة إلى المحاصصة والتوريث

جواد العطار

 

لم تبدأ ازمة النخبة السياسية في العراق بعد عام 2003 ، بل تعود جذورها الى مرحلة المعارضة في الخارج ، حين بدأت القوى السياسية تستعد لمرحلة ما بعد النظام السابق ، في ظل تفاهمات ورعاية امريكية سبقت الاحتلال. وكان مؤتمر لندن للمعارضة العراقية في كانون الاول 2002 احدى المحطات التي عكست ملامح تلك المرحلة ، قبل ان تنتقل قيادات المعارضة الى مواقع السلطة بعد سقوط النظام ، وتشارك في تشكيل مجلس الحكم الانتقالي بقرار من سلطة الاحتلال الامريكي.

تمثيل سياسي

لكن الانتقال من المعارضة الى الحكم لم يكن انتقالا مستندا الى ثقافة الدولة والمؤسسات ، اذ سرعان ما تحولت صيغة التمثيل السياسي الى نظام لتقاسم النفوذ والمواقع. وظهرت المحاصصة بأشكال متعددة ، طائفية وقومية ومناطقية وحزبية وحتى شخصية ، واصبحت الوزارات والمؤسسات والمناصب العامة في كثير من الاحيان موضوعا للتفاوض والصفقات وما يسمى «السلة الواحدة» بين القوى السياسية ، بدلا من ان تكون مسؤوليات وطنية تخضع لمعايير الكفاءة والمواطنة.

وقد تناولت دراسات غربية هذا الموضوع باهتمام بالغ ، منها دراسة «الفساد المحمي سياسيا ومعوقات الاصلاح في العراق» الصادرة عام 2021 عن المعهد الملكي للشؤون الدولية (تشاتام هاوس) في بريطانيا ، للباحثين ريناد منصور وتوبي دودج ، تناولت الدراسة هذه الظاهرة موضحة كيف تحولت ترتيبات تقاسم السلطة الى منظومة نفوذ للاحزاب داخل مؤسسات الدولة. كما تناول تقرير «من هي النخب في العراق وكيف تمارس نفوذها؟» للباحثة سيان هربرت ، الصادر عام 2018 عن معهد دراسات التنمية البريطاني ، طبيعة النخب السياسية العراقية وآليات نفوذها بعد عام 2003.

غير ان المحاصصة لم تقتصر على الاحزاب والمكونات ، بل اخذت تتجه نحو دوائر اضيق واضيق ، لتظهر ملامح المحاصصة الشخصية والعائلية من خلال توسيع النفوذ ليشمل الاقارب والمقربين ، وتداخل العلاقات العائلية مع المواقع العامة ومراكز القرار. وبذلك لم تعد المشكلة مقتصرة على تقاسم السلطة بين القوى السياسية ، بل امتدت الى اعادة انتاج النفوذ داخل الدوائر المرتبطة بها ، بما يثير تساؤلات جدية عن تكافؤ الفرص ومعايير الاختيار واستقلال مؤسسات الدولة.

وهنا تبرز خطورة التحول من المحاصصة السياسية الى ما يمكن وصفه بالكانتونات العائلية داخل السلطة؛ إذ يصبح الموقع العام في بعض الحالات امتدادا لشبكة العلاقات الشخصية والعائلية ، بدلا من ان يكون مسؤولية وطنية مفتوحة امام المواطنين وفق معايير الكفاءة والاستحقاق.

تداول سلمي

ان النخبة التي انتقلت من المعارضة الى الحكم تحت عناوين التغيير والديمقراطية مطــالبة اليوم بمراجعة تجربتها ، والاقرار بأن الديمقراطية ليست وسيلة لاعادة انتاج الاشــــــــــخاص والدوائر ذاتها ولا لتوريث النفوذ والمواقع ، وانما هي تداول سلمي للسلطة اولا ، تجديد للقيادات ثانيا ، اتاحة الفرصة للأكفأ والأقدر على ادارة الدولة ثالثا ، والالتزام بالقانون والدستور رابعا.

فالدولة ليست ملكا للاحزاب او المكونات او العائلات ، ومؤسساتها ليست إرثا سياسيا تتناقله النخب فيما بينها.

ان الفرق كبير بين تداول السلطة واعادة تدويرها ، وبين الديمقراطية والاستئثار؛ فالعراق بحاجة الى دولة مؤسسات ومواطنة ، لا الى كانتونات نفوذ تتسع فيها دائرة المحاصصة من الحزب الى العائلة.


مشاهدات 36
الكاتب جواد العطار
أضيف 2026/11/01 - 3:07 PM
آخر تحديث 2026/11/02 - 2:30 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 257 الشهر 2466 الكلي 16653000
الوقت الآن
الإثنين 2026/11/2 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير