الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
خبير يحذّر من مخاطر الكارتون التفاعلي على الأطفال

← بواسطة azzaman

الأنيميشن في مواجهة الذكاء الإصطناعي

خبير يحذّر من مخاطر الكارتون التفاعلي على الأطفال

بابل - أمجاد ناصر

لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة تقنية لتسريع إنتاج الأفلام والرسوم المتحركة، بل أصبح يهدد مستقبل الإبداع البشري وخصوصية الهوية الفنية، وفرص العاملين في صناعة السينما والعديد من المهن، فضلاً عن المخاطر لانتشار الكارتون التفاعلي الذي يحاكي الأطفال والتأثير على أفكارهم وسلوكياتهم, والعديد من السلبيات والايجابيات التي ناقشها أصحاب الأختصاص من خلال الندوة الفنية بعنوان (الذكاء الاصطناعي وصناعة أفلام الأنيميشن) التي استضافت المخرج ومصمم الرسوم المتحركة فاخر حسين، وأدارها الناقد السينمائي  سالم شدهان، بمشاركة عدد من النقاد والمخرجين العراقيين والعرب، ضمن فعاليات مهرجان بابل لسينما الأنيميشن السادس، برعاية مؤسسة بابل العالمية للثقافات والفنون، وجامعة المستقبل لمناقشة التحولات التي أحدثتها التقنيات الحديثة في صناعة الصورة المتحركة، وما تتيحه من فرص وما تثيره من مخاوف.

وأكد الناقد السينمائي  سالم شدهان: بدأت سينما الأنيميشن تفرض حضورها في المجالين الفني والتجاري، والسينما منذ نشأتها استطاعت تجديد نفسها باستمرار، بدءاً من تحريك الصورة وصولاً إلى استثمار التطورات العلمية والتكنولوجية في صناعة الأفلام, و واجهت السينما على امتداد تاريخها توقعات بنهايتها، حسب مقولة المخرج إيليا كازان, الذي  أكد احتمال انتهاء السينما بعد أن تكون قد استنفدت إمكاناتها، إلا أنها أثبتت قدرتها على التجدد ومواكبة التحولات, وكانت الرسوم المتحركة في بداياتها مرتبطة إلى حد كبير بعالم الأطفال، قبل أن تتطور إلى صناعة سينمائية قائمة بذاتها، وصولاً إلى التحدي الراهن المتمثل بالذكاء الاصطناعي، الذي يضع العاملين في هذا المجال أمام خيارين, إما أن يصبح أداة لتغيير طبيعة الصناعة، أو أن يتم تطويعه لخدمة السينما وتعزيز إمكاناتها, وأن قوة السينما وتاريخها الممتد لأكثر من 135 عاماً يمنحانها القدرة على استيعاب التقنيات الجديدة والاستفادة منها، وتجديد الأدوات لا يعني بالضرورة التخلي عن القيمة الفنية والجمالية.

مضيفاً: ومن بين الفنانين الذين ارتبطت تجربتهم بدار ثقافة الأطفال والرسوم المنشورة في مجلتي (مجلتي و المزمار) اللتين شكلتا جزءاً مهماً من ذاكرة الطفولة العراقية والعربية في تلك المرحلة، المخرج ومصمم الرسوم المتحركة فاخر حسين، الذي بدأ الرسم في سن الخامسة حتى صقل موهبته بالتخرج من كلية الفنون الجميلة، وجمع بين خلفيته في الفنون التشكيلية وشغفه بالسينما، ورسامي الأطفال قدموا أعمالاً فنية جمعت بين البساطة والجمال والقدرة على مخاطبة خيال الصغار، حتى أصبحت المجلة لدى كثير من الأطفال سلعة ينتظرون اقتناءها بشغف يفوق رغبتهم في شراء الحلوى.

و أكد المخرج ومصمم الرسوم المتحركة فاخر حسين: أن العمل بالتقنيات التقليدية كان يتطلب وقتاً وجهداً كبيرين، ويستغرق إنجاز مشهد لا تتجاوز مدته 10 ثوانٍ أسبوعاً كاملاً، وربما يضطر الفنان إلى إعادة العمل من البداية، فيما أصبح الذكاء الاصطناعي يختصر هذه المدة بصورة كبيرة، ويمنحه إمكانية إنجاز المشاهد خلال وقت أقصر, وأنا أعتبر الذكاء الاصطناعي بالنسبة لي (مساعد مطيع) يوفر السرعة وسهولة الإنجاز ويمنح القدرة على تنفيذ أفكاري وفق رؤيتي، ولهذه السهولة والتقنية بدأت بإعادة إنتاج بعض أعمالي السابقة باستخدام هذه التقنيات، ومنها أعمال وأغانٍ للأطفال، فضلاً عن إعادة الاشتغال على فيلمي  الطويل (الصديقان) الذي أنجزته عام 2003، واعمل حالياً على فيلم طويل بعنوان (سوران) بصيغة عرض K4.

الحوار والتجربة

موضحاً: تجربتي مع برامج الذكاء الاصطناعي، ومنها (جيميناي – كلاود - تشات جي بي تي) تقوم على الحوار والتجربة والاستفادة من إمكاناتها، لكنها لا تخلو من العيوب ينبغي على الفنان إدراكها خلال استخدامها, رغم قدرة الذكاء الاصطناعي، على إنتاج صور شديدة الدقة والكمال التقني، يفتقر إلى بعض السمات الإنسانية التي كانت تظهر في الرسم اليدوي، مثل اهتزاز الخطوط واختلاف درجات اللون والأخطاء العفوية التي تمنح العمل روحه وبصمته الخاصة, لذا أحذّر من أن اعتياد الجمهور، ولا سيما الأجيال الجديدة، على الصور المثالية فائقة الجودة قد تؤدي إلى ما وصفه الذكاء الاصطناعي بـ (التخمة البصرية) بحيث يفقد المشاهد تقبله للأعمال اليدوية أو الصور التي تحمل عيوباً طبيعية، رغم ما تتضمنه من قيمة فنية وتعبيرية.

مؤكداً: أن الخبرة الأكاديمية والدراسة الفنية تمنح الفنان القدرة على استخلاص القيمة الجمالية من أدوات الذكاء الاصطناعي، لكن المشكلة تكمن في الجيل الذي لم يدرس الرسم والفنون التشكيلية ولم يمتلك خبرة عملية طويلة، وقد يعتمد على طلب صور جاهزة دون امتلاك القدرة على تقييمها أو تطويرها فنياً, والفارق الأساسي يكمن في أن يكون الفنان هو المتحكم بالتقنية، لا أن تتحكم التقنية به، لذا يجب عدم الاعتماد الكامل عليها لأنها تجعل الفنان مجرد متلقٍ للنتائج التي تنتجها البرامج, والأمر لا يقتصر على صناعة الأنيميشن، بل يمتد إلى النقد السينمائي والبحوث الأكاديمية، فاستخدام الذكاء الاصطناعي في تحليل المشاهد أو إعداد الدراسات بطريقة النسخ واللصق قد يضعف القدرة النقدية والبحثية، ويهدد أصالة العمل العلمي, وتطور الأنظمة التي أصبحت قادرة على التفاعل والتعلم واتخاذ قرارات أكثر استقلالية، وما زال الإنسان في مراحل الاستخدام الحالية صاحب القرار النهائي، لكن التطورات المقبلة تطرح تساؤلات بشأن حدود سيطرة الإنسان على هذه الأنظمة. محذراً: الذكاء الاصطناعي يعمل على برامج جديدة بأنتاج الأنميشن, بانتشار الكارتون التفاعلي الذي لن يكتفي بعرض قصة أو شخصية متحركة أمام الطفل، بل سيتحول إلى شخصية قادرة على محادثته مباشرة عبر الكاميرا، وطرح الأسئلة عليه، والتفاعل مع مشاعره وإجاباته, بحيث تستطيع الشخصية تسأل الطفل مثلاً عن سبب حزنه، فيجيب بأنه ممنوع من استخدام الهاتف المحمول، لتبدأ الشخصية بالتفاعل معه وتقديم النصائح أو المقترحات، وهو ما يفتح الباب أمام تأثيرات واسعة في سلوك الأطفال وتفكيرهم, وهذا النوع من المحتوى سيهدد حياة الاطفال في حال غياب الرقابة والوعي الأسري، ولا سيما أن التفاعل المباشر مع الطفل قد يجعل التأثير أعمق من المشاهدة التقليدية، الأمر الذي يستدعي اهتمام أولياء الأمور والمختصين والمؤسسات المعنية بسلامة الطفل.

كما بيّن: ان الذكاء الاصطناعي سيحدث تغييرات كبيرة في بنية صناعة الأنيميشن، وقد يقلل الحاجة إلى الاستوديوهات الضخمة والأعداد الكبيرة من العاملين، بعد أن أصبحت بعض المهام التي كانت تتطلب رسامين ومخرجين ومحرري صور ومصححي ألوان وفنيي صوت قابلة للإنجاز من خلال برامج متاحة باشتراكات محدودة, وبدأت بعض المؤسسات والقنوات بالفعل الاستفادة من هذه الأدوات لتقليص الوقت والكلفة، إلا أن ذلك يثير مخاوف بشأن فرص الفنانين الشباب وقدرتهم على دخول سوق العمل، خصوصاً في ظل صعوبة حصول الفنان المستقل على جهات إنتاجية تتبنى مشاريعه, والذكاء الاصطناعي قادر على تقديم مقترحات للشخصيات والمشاهد والحبكة الدرامية، لكنه قد يدفع العمل إلى استنساخ رؤى فنية عالمية جاهزة، بدلاً من التعبير عن خصوصية البيئة المحلية, مثالاً اذا طلبنا إنتاج فيلم عن بابل، سيكون الاعتماد على التصورات الجاهزة القريبة إلى الرؤية الهوليوودية التي اعتاد عليها البرنامج، بدلاً من الرؤية البصرية التي يريدها المخرج، ومن الضرورة أن يمتلك الفنان تصوره الخاص وأن يوجه التقنية نحو هويته الثقافية والجمالية, وأستذكر قصة صناع الشموع في لندن مع انتشار الكهرباء، حيث كثيرين تخلوا عن مهنتهم بعد ظهور المصابيح الكهربائية، فيما حافظ بعضهم على حرفته، وأصبح إنتاجه مطلوباً في القصور الملكية والعائلات التي تمسكت بطقوس استخدام الشموع، وهذا يؤكد أن التطور التقني قد يلغي بعض الأدوار، لكنه لا ينهي بالضرورة قيمة جميع المهن والحرف التقليدية.

كما أوضح، رئيس لجنة تحكيم المهرجان ماهر مجيد إبراهيم: هناك فكرة فلسفية غائبة عن الطرح، تتعلق بمفهوم البيئة المزيفة أو (السيمولاكرا - المحاكاة) التي باتت حاضرة في العالم ولا سيما في أوروبا، من خلال بناء واقع افتراضي لا ينتمي إلى الواقع المادي الذي نعيشه., ومع مرور الوقت قد يتحول هذا الواقع المصطنع إلى واقع ننتمي إليه من حيث الذائقة والجماعة والثقافة والوعي، ليصبح مرجعيتنا في العمل والإبداع, وهذا يمثل تقويضاً لماهية الوجود الإنساني بوصفه بنية إبداعية متغيرة, فإذا استمرت نتاجات الذكاء الاصطناعي في تقديم صور مبهرة وجميلة إلى هذا الحد، فإنها قد تسهم في إعادة تشكيل واقعنا وتزييف إدراكنا له, لقد نبه عدد من الفلاسفة في الغرب ولا سيما في أوروبا، إلى خطورة هذه الفكرة، مؤكدين أن هذه النتاجات القائمة على المحاكاة تفتقر إلى مرجعية وجودية إنسانية حقيقية، وهو ما قد يؤدي إلى تقويض الوجود الإنساني, وإننا من خلال الذكاء الاصطناعي، وكأننا نبني واقعاً موازياً وعوالم افتراضية لا تنتمي إلى واقعنا الوجودي، الأمر الذي قد ينعكس على منظومتنا الأخلاقية والقيمية والعقدية والدينية، ويعيد تشكيلها وفق معايير هذا الواقع الموازي المصطنع.

كما أشار المخرج العماني محمد البلوشي: يشعرالعديد من صناع السينما بالحماس تجاه استخدام الذكاء الاصطناعي، لما يوفره من تقليل في تكاليف الإنتاج وتسريع التنفيذ، لكن أصحاب شركات الإنتاج يواجهون تحديات جديدة عندما تصبح الأعمال المنتجة بهذه التقنيات متاحة بجودة عالية وقصص غير تقليدية، الأمر الذي يفرض عليهم إعادة التفكير في أساليب الإنتاج والمنافسة.

وأضاف زميله, فهد الحضرمي: انا حاصل على البكالوريوس في دراسة وإنتاج الرسوم المتحركة، ودراستي الأكاديمية كلفتني نحو 40 ألف دولار، فيما كانت عملية إنتاج الأنيميشن، بدءاً من الفكرة والتصميم وصولاً إلى التحريك، تستغرق أشهراً طويلة، فضلاً عن ارتفاع تكاليف البرامج المتخصصة التي كانت تتجاوز خمسة آلاف دولار, واليوم بفضل الإمكانات المتاحة بالذكاء الاصطناعي أتاحت تنفيذ عدد من هذه الأعمال بكلفة قد لا تتجاوز 50 دولاراً، في تحول كبير يعكس حجم الفارق بين أساليب الإنتاج السابقة والتقنيات الحديثة.

كما بينً مدير المهرجان المخرج حسين العقيلي: اختصرت التقنية وقتاً طويلاً كان يحتاجه المخرج للعمل مع الرسامين في تصميم المشاهد وتخطيط الشخصيات وتطويرها، كما قللت الأعباء المالية المرتبطة بتوظيف الكفاءات الفنية، وباتت بعض الأدوات متاحة باشتراكات شهرية منخفضة تبدأ من نحو 10 أو 20 دولاراً، إلى 100 دولار بحسب مستوى الخدمة والإمكانات, وهذه السرعة والتكلفة المنخفضة لا تلغيان وجود أخطاء في النتائج التي تنتجها البرامج، كما تثيران تساؤلات بشأن مصير العملية الإبداعية وروح الفنان الذي يشارك في بناء العمل وتحويل الفكرة إلى صورة سينمائية, والتحدي الحقيقي لا يتعلق بمدى قدرة الذكاء الاصطناعي على إنتاج الصور وتحريك الشخصيات، بل بكيفية الحفاظ على القيمة الإبداعية والهوية الفنية للأنيميشن، بحيث تبقى التقنية وسيلة لخدمة الفنان لا بديلاً عن خياله وخبرته.

سيرة فنية

والفنان فاخر حسين, خريج كلية الفنون الجميلة، تلقى دروسه الفنية على أيدي نخبة من رواد الفن التشكيلي العراقي، من بينهم الأساتذة فائق حسن وحافظ الدروبي ووليد شيت, يمتلك خبرة فنية تمتد لعقود في الرسم والتصميم والإخراج وإنتاج أفلام الرسوم المتحركة، وبدأ العمل على الحاسوب والتقنيات الرقمية منذ عام 1995، عمل في دار ثقافة الأطفال ببغداد منذ عام 1984، رساماً ومصمماً ومشرفاً على وحدة الرسوم المتحركة، وتولى مسؤوليات فنية وتحريرية متعددة، وأسهم في رسم القصص والكتب والسيناريوهات التربوية والثقافية، كما تعاون مع عدد من المجلات ودور النشر والمؤسسات الإعلامية في العراق والأردن والسعودية والإمارات, أسس استوديو (تيلي ميديا) للإنتاج الفني في بغداد، وأنجز وأخرج العديد من أعمال الرسوم المتحركة، وبرامج تربوية لصالح قنوات فضائية عراقية وعربية, كما أسهم في تأسيس وحدة للأنيميشن في قناة كربلاء الفضائية، وتولى الإشراف على تأسيس قسم إنتاج أفلام الرسوم المتحركة في دار ثقافة الأطفال عام 2015. ومن أبرز أعماله فيلم (الرصاصة البريئة) الذي تناول مخاطر ألعاب العنف وتأثيرها في سلوك الأطفال، وفيلم (البالون) فضلاً عن أعمال تلفزيونية وسلاسل كارتونية للأطفال, وشغل رئاسة لجان تحكيم مهرجانات متخصصة في أفلام الرسوم المتحركة، من بينها مهرجان النهج السينمائي عام 2018، وترأس لجنة تحكيم مهرجان بابل لسينما الأنيميشن في دورته الثانية عام 2022، وكرّمه المهرجان في دورته الثالثة عام 2023 تقديراً لمسيرته الفنية, وفي السنوات الأخيرة، اتجه إلى توظيف الذكاء الاصطناعي في صناعة الأنيميشن،وإنجاز حلقات من (حكايات الغابة السعيدة, وشخصيات خالدة) وفيلم ( الأبطال, وصناديق) ثلاثي الأبعاد عام 2025، وحلقة من مسلسل الدمى (ستوديو الأصدقاء) وينجز افلام بتقنيات الذكاء الاصطناعي، من بينها الفيلم الطويل (سوران, والزائر الأخير) وفيلم عن بناء ساعة القشلة، وإنتاج مجموعة من أغاني الأطفال.

 

 


مشاهدات 49
أضيف 2026/11/01 - 3:00 PM
آخر تحديث 2026/11/02 - 1:21 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 156 الشهر 2365 الكلي 16652899
الوقت الآن
الإثنين 2026/11/2 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير