الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
منصاتنا الشخصية ليست ساحةً لمحاكمة مشاعرنا

← بواسطة azzaman

منصاتنا الشخصية ليست ساحةً لمحاكمة مشاعرنا

قابل الجبوري

 

أصدقائي، متابعيني الأعزاء…

أحترمكم جميعاً وأجلّ كل إنسان يتابعني أو يقرأ ما أكتبه، وأؤمن أن لكل إنسان ظروفه الخاصة، ومشاعره المتغيرة، وأيامه التي لا تشبه بعضها بعضاً. فالإنسان ليس آلة تسير على وتيرة واحدة؛ قد يبتسم اليوم، ويحزن غداً، وقد يكون في لحظة مليئاً بالأمل، وفي لحظة أخرى مثقلاً بالهموم والذكريات.

ومن هنا جاءت منصات التواصل الاجتماعي بالنسبة إلى كثير منا مساحة للتعبير، ومتنفساً نلجأ إليه عندما تضيق بنا الحياة. نكتب فيها أفراحنا، ونشارك فيها نجاحاتنا، ونعبّر عن أحزاننا، ونحاول من خلالها أن نخرج شيئاً مما يثقل أرواحنا.

لكن الغريب أن البعض يتعامل مع منشورات الآخرين وكأنها وثيقة يجب أن تخضع للتقييم والمراجعة والمحاسبة. فإذا كتب أحدهم عن حزنه، قيل له: لماذا تنشر الحزن؟ وإذا عبّر عن ألمه، قيل له: كن إيجابياً. وإذا كتب عن مشكلة أو تجربة مرّ بها، بدأ البعض بتقديم النصائح والانتقادات، وكأنهم يعرفون تفاصيل حياته أكثر منه.

وهنا أقول بكل احترام: ليس كل ما نكتبه يحتاج إلى تفسير، وليس كل شعور نعبّر عنه يحتاج إلى نصيحة، وليس كل منشور يحتاج إلى ناقد.

إن منصاتنا الشخصية هي مساحات نختار فيها ما نريد أن نقوله، ضمن حدود الاحترام والأخلاق والقانون. ومن حق الإنسان أن يعبّر عن نفسه بالطريقة التي يراها مناسبة، ما دام لا يسيء إلى الآخرين ولا يتجاوز على حقوقهم.

انعكاس طبيعي

قد أكتب اليوم عن الفرح، وغداً عن الحزن، وبعد غد عن الذكريات، ثم أعود لأكتب عن الأمل. هذا ليس تناقضاً، بل هو انعكاس طبيعي لحياة الإنسان وتقلباته النفسية والعاطفية.

والأهم من ذلك أن القارئ ليس مجبراً على متابعة كل ما أكتب. فإذا لم تعجبك منشوراتي، أو لم تجد فيها ما يناسب ذوقك، فلك كامل الحرية في تجاوزها أو عدم متابعتي. أما أن تتابع ما أكتب ثم تضع نفسك في موقع الوصي على مشاعري وأفكاري، فهذا أمر لا أراه مقبولاً.

الاختلاف في الأذواق طبيعي، لكن فرض الذوق على الآخرين ليس طبيعياً.

نحن بحاجة إلى أن نتعلم ثقافة احترام المساحات الشخصية للآخرين. فكما أن لك الحق في اختيار ما تنشره، للآخر أيضاً الحق في اختيار ما يكتبه وينشره. وكما لا ترغب أن يتدخل أحد في تفاصيل حياتك، عليك أن تدرك أن الآخرين أيضاً لديهم حياتهم وتجاربهم وظروفهم التي قد لا تعرف عنها شيئاً.

وربما يكون المنشور الذي تراه بسيطاً أو مبالغاً فيه بالنسبة إليك، هو بالنسبة لصاحبه خلاصة ألم طويل، أو محاولة للخروج من حالة نفسية صعبة، أو رسالة يكتبها لنفسه قبل أن تكون موجهة إلى الآخرين.

لذلك، قبل أن تنتقد منشوراً، تذكّر أن وراء الكلمات إنساناً له قلب ومشاعر وتجارب وذكريات. ولا أحد يعرف تماماً ما الذي يخفيه الآخر خلف ابتسامته أو صمته أو كلماته.

النقد الحقيقي ليس أن تجرح الآخرين بحجة الصراحة، والنصيحة ليست أن تفرض وصايتك على الناس.

النصيحة الحقيقية تأتي في وقتها، وبأسلوبها، ولمن يطلبها أو يتقبلها، أما تحويل كل منشور إلى مناسبة للنقد والتوجيه، فذلك لا يصنع وعياً، بل يصنع نفوراً.

وفي النهاية، أقول لكل أصدقائي ومتابعيني: أنا أحترم اختلافكم، وأحترم آرائكم، وأرحب بالكلمة الطيبة والنقد البنّاء الذي يهدف إلى الإصلاح، لكنني في الوقت ذاته أتمسك بحقي في أن أعبّر عن مشاعري وأفكاري بالطريقة التي أراها مناسبة.

هذه صفحتي، وهذه مساحتي، أكتب فيها ما أشعر به، وأشارككم فيها أفراحي وأحزاني وذكرياتي وأفكاري.

فإن راقت لكم كلماتي فأنتم أهلاً وسهلاً، وإن لم تروق لكم، فلكم كامل الحرية في تجاوزها. أما مشاعري، فلا أعتقد أنها بحاجة إلى موافقة أحد.

فلنترك للآخرين مساحةً ليكونوا أنفسهم، ولنحترم اختلاف المشاعر كما نحترم اختلاف الآراء. فالحياة أقصر من أن نحول منصات التواصل إلى ساحات للمحاكمة، وأجمل من أن نضيّق على بعضنا فيها. احترموا مشاعر الآخرين… فربما تكون الكلمات التي ننتقدها اليوم هي الطريقة الوحيدة التي يحاول بها إنسان ما أن يتنفس.

 

 

 

 


مشاهدات 64
الكاتب قابل الجبوري
أضيف 2026/10/24 - 4:46 PM
آخر تحديث 2026/10/25 - 12:10 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 22 الشهر 48805 الكلي 16633974
الوقت الآن
الأحد 2026/10/25 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير