الشخصية العراقية .. الإنسان المنتصر
عباس النوري
منذ أن بدأت أتأمل في الطريقة التي وُصفت بها الشخصية العراقية، وأنا أشعر أن هناك شيئًا يحتاج إلى إعادة النظر، لا في قيمة الذين سبقونا إلى دراسة المجتمع العراقي، ولا في أهمية ما تركوه لنا من أفكار، وإنما في حقنا نحن أيضًا في أن نقرأ الإنسان العراقي من جديد، بعد كل ما مر به العراق من تحولات وأحداث لم تكن قليلة، وربما لم يكن بعضها موجودًا في الصورة التي كان يقرأ من خلالها أساتذتنا ومفكرونا المجتمع العراقي في مراحل سابقة.
وأنا هنا لا أريد أن أضع نفسي في مواجهة الدكتور علي الوردي، ولا أن أقول إنني جئت لأصحح ما أخطأ فيه، فهذه ليست الطريقة التي أتعامل بها مع الفكر. قد يكون الوردي قد أصاب في جوانب مهمة من قراءته للمجتمع العراقي، وقد تكون بعض أفكاره مرتبطة بمرحلة تاريخية محددة، وقد يكون بعضها ما زال صالحًا لفهم جوانب من سلوكنا حتى اليوم. وما أريده هو أن أفتح السؤال من جديد: هل يمكن أن تكون الشخصية العراقية أوسع من وصف واحد، مهما كان هذا الوصف قادرًا على تفسير بعض مظاهرها؟
بيئة اجتماعية
لقد وصف الوردي الشخصية العراقية بالازدواجية، وربط هذه الازدواجية بالتناقض بين قيم الريف والمدينة، وبين البداوة والحضارة، وبين ما يريده الإنسان وما تفرضه عليه البيئة الاجتماعية والسياسية. ولا أرى في ذلك أمرًا ينبغي أن يُرفض لمجرد أننا نريد وصفًا أكثر إيجابية للعراقي. فالإنصاف يقتضي أن نقرأ الفكرة في زمانها، وأن نفهم المجتمع الذي كان الوردي يراقبه، وأن نسأل بعد ذلك: ماذا تغير؟ وماذا بقي؟ وهل ما كان يفسر جانبًا من الشخصية العراقية في مرحلة معينة ما زال قادرًا على تفسير الإنسان العراقي بعد الحروب والحصار والاحتلال والإرهاب والتحولات الاجتماعية والثقافية الهائلة التي شهدها العراق؟
هذا السؤال هو الذي دفعني إلى التفكير في عبارة «الإنسان العراقي المنتصر».
وأنا أستخدم كلمة «المنتصر» هنا بمعنى قد يختلف عن معناها المعتاد. لا أقصد أن العراقي انتصر في كل حروبه، فهذا غير صحيح، ولا أقصد أن الحكومات العراقية انتصرت دائمًا، ولا أن الشعب لم يعرف الهزيمة والخسارة. التاريخ لا يسمح لنا بهذه القراءة، والعراقي نفسه يعرف أكثر من غيره حجم ما خسره.
إنما أتحدث عن شيء آخر أراه جديرًا بالتأمل؛ وهو أن الإنسان العراقي، بعد كل ما مر به، لم يتوقف عن محاولة إعادة بناء حياته. قد يفقد الإنسان بيته، ثم يبني بيتًا آخر، وقد يفقد عمله، ثم يبحث عن عمل جديد، وقد يعيش سنوات من الخوف ثم يحاول أن يستعيد حياته الطبيعية، وقد يفقد قريبًا أو صديقًا أو جزءًا من أسرته، ومع ذلك يبقى مطالبًا بأن يكمل الطريق، ويربي أبناءه، ويرسلهم إلى المدارس، ويحافظ على أسرته، ويعمل، ويكتب، ويزرع، ويفتح متجره، ويعود إلى مدينته بعد أن تهدأ العاصفة.
قد يقول قائل إن هذه ليست صفة عراقية، وأنا لا أملك حتى الآن ما يسمح لي بأن أرفض هذا القول. فشعوب كثيرة عاشت الحروب والكوارث وتمكنت من إعادة بناء نفسها، ولذلك لا أريد أن أحول الصمود الإنساني العام إلى خصوصية عراقية من دون مقارنة ودراسة. ولكنني في الوقت نفسه لا أرى سببًا يمنعنا من أن نطرح السؤال حول التجربة العراقية، وأن نبحث في طبيعة هذا الصمود، وفي العوامل الاجتماعية والثقافية التي جعلت الحياة تستمر رغم كل ما تعرض له الإنسان العراقي.
وهنا يجب أن أكون أكثر حذرًا، لأنني إذا رفضت أن أختصر الشخصية العراقية في «الازدواجية»، فلا يجوز لي أن أقع في الخطأ نفسه وأختصرها في «الصمود». الإنسان العراقي ليس ملاكًا، وليس بطلًا دائمًا، وليس خاليًا من التناقض أو الضعف أو الخوف أو المصلحة. وهو، مثل بقية البشر، يمكن أن يخطئ ويصيب، ويقاوم ويستسلم، ويصمت ويتكلم، ويتصرف بشجاعة في موقف ويضعف في موقف آخر.
لكن هل كل تغير في الموقف يعني ازدواجية؟
هذه المسألة تستحق التوقف عندها، خصوصًا عندما نتحدث عن علاقة العراقي بالسلطة. فقد عاش العراقي خلال تاريخه الحديث تحت أنظمة وظروف سياسية مختلفة، وكان عليه في كثير من الأحيان أن يختار بين ما يريده وبين ما يستطيع فعله. وقد يرفض الإنسان الظلم، لكنه لا يملك القدرة على مقاومته، وقد يصمت خوفًا على أسرته، وقد يتراجع حين تصبح كلفة الموقف أعلى من قدرته على الاحتمال.
مصلحة خاصة
وفي المقابل، نجد في التاريخ العراقي حالات كثيرة وقف فيها الناس، أفرادًا وجماعات وعشائر، في وجه سلطات لم يروا فيها عدلاً أو إنصافاً. ولا أعتقد أن من الصحيح أن نضع كل هذه المواقف تحت عنوان واحد ونقول إنها ازدواجية. فقد يكون وراء موقف الإنسان دفاع عن أرضه، أو عن كرامته، أو عن أسرته، أو رفضًا للظلم، وقد يكون وراءه أيضًا مصلحة خاصة. وليس لنا أن نختار التفسير الذي يعجبنا، بل علينا أن نبحث في الظروف والوثائق والشهادات والنتائج، وأن نحاول أن نفهم الإنسان في لحظته التاريخية.
وهنا تظهر أهمية التمييز بين الريف والمدينة.
فالإنسان الذي عاش في الريف لم يكن هو الإنسان نفسه الذي عاش في المدينة، ثم إن أعدادًا كبيرة من أبناء الريف انتقلت إلى المدن، وحملت معها شيئًا من قيمها وعلاقاتها وتقاليدها، وتأثرت في الوقت نفسه بقيم المدينة. وربما كان هذا الانتقال أحد مصادر التناقضات التي لاحظها الوردي، لكن السؤال الذي يهمني هو: هل كانت تلك التناقضات دليلًا على ازدواجية ثابتة في الإنسان، أم أنها في بعض الأحيان كانت نتيجة طبيعية لإنسان يجد نفسه بين عالمين ويحاول أن يتكيف معهما؟
ولا أريد هنا أن أضع تفسيرًا بديلًا جاهزًا. فهذا هو الخطأ الذي أحاول أن أتجنبه منذ البداية. قد يكون الوردي محقًا في بعض الحالات، وقد يكون التكيف هو التفسير في حالات أخرى، وقد يكون الخوف والإكراه عاملًا أساسيًا في حالات ثالثة، وقد تكون المصلحة الشخصية هي السبب في حالات أخرى. والبحث الحقيقي هو الذي يستطيع أن يميز بين هذه الحالات بدل أن يمنحها جميعًا اسمًا واحدًا.
حتى الحديث عن العشيرة يحتاج إلى شيء من الإنصاف. فالعشيرة العراقية ليست كتلة واحدة ذات موقف واحد، وقد وقفت عشائر عراقية في مراحل مختلفة في وجه سلطات أو سياسات رأتها ظالمة، كما دخلت عشائر أخرى في علاقات مختلفة مع السلطة. ولا أعتقد أن المقاومة وحدها تجعل العشيرة نموذجًا مثاليًا، كما أن التعاون مع السلطة وحده لا يجعلها مزدوجة. الإنسان أكثر تعقيدًا من ذلك.
ومن هنا بدأت أرى أن المسألة أكبر من خلاف بين وصفين: «العراقي المزدوج» و«العراقي الصامد». ربما يكون الإنسان العراقي يحمل هذا وذاك، وربما لا يكون أي منهما كافيًا وحده لفهمه.
وإذا كانت فرضيتي عن «الإنسان العراقي المنتصر» تستحق أن تبقى، فلا بد أن تُختبر أمام التاريخ، لا أمام إعجابنا بها. يجب أن ننظر إلى حالات عراقية محددة، وأن نرى كيف تصرف الناس في ظروف مختلفة، وكيف أعادوا بناء حياتهم بعد الكوارث، وكيف حافظوا على روابطهم الاجتماعية والثقافية، ثم نقارن ذلك بتجارب شعوب أخرى حتى نعرف ما إذا كان ما نراه خاصًا بالعراقي أم جزءًا من قدرة الإنسان عمومًا على البقاء.
أما التاريخ القديم، فلا أستطيع أن أكتب عن العراق من دونه، ولكنني لا أريد أن أستخدمه بطريقة عاطفية. حين أتذكر سومر وبابل وآشور، وأتذكر تاريخ هذه الأرض الطويل وما شهدته من قيام حضارات وسقوط دول وغزوات وحروب وتحولات، فإنني لا أقول إن الإنسان العراقي اليوم هو نفسه الإنسان الذي عاش قبل آلاف السنين. لا أملك دليلًا يسمح لي بهذا القول.
لكن التاريخ القديم يجعلني أتوقف أمام حقيقة أخرى، وهي أن هذه الأرض شهدت دورات متكررة من البناء والانهيار، ومع ذلك لم تنقطع عنها الحياة. وربما يكون من المفيد أن نسأل: كيف أثرت الذاكرة الحضارية في المجتمع العراقي؟ وكيف تعامل الإنسان العراقي مع فكرة أن يعيش فوق أرض تحمل تاريخًا هائلًا، بينما يعاني في حاضره من أزمات متكررة؟
هذه أسئلة أكثر مما هي أجوبة، وأنا أفضل أن تبقى أسئلة إلى أن نجد لها ما يكفي من الأدلة.
ولا أريد كذلك أن أقول إنني اكتشفت أمرًا عجيبًا غاب عن المفكرين الذين سبقوني، فهذا ليس من الإنصاف ولا من الحكمة. قد يكون ما أراه قد قيل من قبل بصورة أخرى، وقد يكون مفكرون آخرون قد انتبهوا إلى جوانب منه ولم تصلني أعمالهم بعد، وربما يأتي بعدنا من يرى المسألة بصورة أعمق ويكتشف أن الفكرة التي أطرحها هنا تحتاج إلى تعديل أو حتى إلى رفض.
وهذا أمر لا يزعجني.
فالكاتب، في رأيي، لا ينبغي أن يتعامل مع فكرته وكأنها ملكية لا يجوز لأحد الاقتراب منها. الفكرة التي تستحق الحياة هي التي تستطيع أن تدخل في الحوار، وأن تتعرض للنقد، وأن تقبل أن يضيف إليها آخرون أو يصححوا مسارها.
ولهذا فإنني لا أقدم «الإنسان العراقي المنتصر» على أنه اكتشاف، ولا على أنه حقيقة انتهيت إليها، وإنما أقدمه بوصفه سؤالًا أراه يستحق البحث.
هل يستطيع الإنسان العراقي أن يخرج من كل هذه التجارب وهو أكثر قدرة على إعادة بناء حياته؟
هل الصمود الذي نراه في المجتمع العراقي مجرد صورة من صور الصمود الإنساني العام، أم أن وراءه عوامل اجتماعية وثقافية وتاريخية تستحق أن تُدرس؟
وهل كانت «الازدواجية» التي تحدث عنها الوردي وصفًا مستمرًا للشخصية العراقية، أم أنها كانت قراءة لمرحلة وظروف معينة، أم أن الأمرين يمكن أن يجتمعا في شخصية واحدة وفي مجتمع واحد؟
لا أعرف الإجابة النهائية، وربما لا يكون من الصواب أن أعرفها الآن.
لكنني أعرف شيئًا واحدًا: أن الإنسان العراقي يستحق أن يُقرأ بإنصاف.
ومن هنا تأتي فكرة كتاب أعمل على تصورها تحت عنوان:
«المجتمع العراقي بين الماضي والحاضر ـ وصف الشخصية العراقية بإنصاف»
لن يكون الكتاب محاولة لإدانة علي الوردي، ولا لإثبات أنني أكثر صوابًا منه، ولن يكون كتاب مديح للشخصية العراقية. سيكون محاولة أوسع للنظر في المجتمع العراقي من خلال ماضيه وحاضره، وفي العلاقة بين الريف والمدينة، والعشيرة والدولة، والسلطة والمجتمع، وبين الخوف والمقاومة، وبين التكيف والصمود، مع العودة إلى أحداث تاريخية محددة بدل الاكتفاء بالانطباعات العامة.
أما «الإنسان العراقي المنتصر» فسيبقى في هذه المرحلة فرضية مفتوحة داخل هذا المشروع، وليس نتيجة مغلقة.
وقد يصل البحث في النهاية إلى أنها فرضية صحيحة في جانب منها، أو أنها تحتاج إلى تعديل، أو أنها لا تختلف عن تجارب إنسانية عرفتها شعوب أخرى. وأنا مستعد لكل هذه الاحتمالات، لأن قيمة البحث ليست في أن أصل إلى النتيجة التي أحبها، وإنما في أن أكون مستعدًا للذهاب مع الدليل إلى حيث يقودني.
وربما كان هذا هو الإنصاف الذي أبحث عنه منذ البداية؛ الإنصاف للإنسان العراقي، والإنصاف لمن سبقونا في دراسة شخصيته، والإنصاف أيضًا للفكرة التي نحاول نحن أن نضيفها إلى هذا الحوار.
فليس المطلوب أن ننتصر على الوردي، ولا أن ننتصر للوردي.
المطلوب أن نفهم الإنسان العراقي.