الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
التحالفات العسكرية والقوة الحية

← بواسطة azzaman

التحالفات العسكرية والقوة الحية

محمد العسكري

 

تُعدّ التحالفات العسكرية من أهم الوسائل التي تلجأ إليها الدول لتعزيز أمنها القومي وحماية مصالحها الوطنية، وهي تقوم على اتفاق بين دولتين أو أكثر لتنفيذ مهام مشتركة، أو الاستعداد لمواجهة تهديدات ومخاطر محتملة، سواء كانت دفاعية أو هجومية. وتتحدد طبيعة هذه التحالفات وفقاً للمصالح المشتركة وحجم التحديات والالتزامات المتبادلة بين أطرافها، وما تمتلكه كل دولة من قدرات عسكرية واقتصادية وتكنولوجية يمكن أن تسهم في تحقيق التكامل وتعزيز الموقف الاستراتيجي.

وقد أصبحت التحالفات أكثر أهمية في الحروب الحديثة، نتيجة التطور الهائل في الأسلحة والمعدات والتكنولوجيا العسكرية، واتساع ميادين الصراع لتشمل البر والبحر والجو والفضاء والمجال السيبراني. ولم يعد من السهل على كثير من الدول، وخاصة النامية والمتوسطة القدرات، أن تؤمّن جميع متطلبات أمنها القومي بالاعتماد على إمكاناتها الذاتية وحدها، مما يدفعها إلى البحث عن حلفاء يشاطرونها المصالح والأهداف، ويسهمون في سد نواقصها العسكرية والأمنية والاقتصادية.

ولعل أبرز الأمثلة التاريخية على ذلك ما قامت به الولايات المتحدة الأمريكية بعد الحرب العالمية الثانية، عندما أسهمت في دعم دول أوروبا الغربية وتشكيل حلف شمال الأطلسي (الناتو)، الذي أصبح إحدى أهم أدوات الردع والدفاع الجماعي. وفي المقابل، عمل الاتحاد السوفيتي السابق على تشكيل حلف وارسو مع دول أوروبا الشرقية، لتحقيق التوازن الاستراتيجي مع الولايات المتحدة وحلفائها، والاستفادة من المواقع الجغرافية والقدرات العسكرية والاقتصادية للدول الأعضاء.

وفي قاموس العلاقات الدولية، فإن التحالفات لا تقوم على الصداقة وحدها، وإنما على المصالح الوطنية المتبادلة. ويمكن تصنيفها من حيث طبيعة العلاقة بين أطرافها إلى ثلاثة أشكال رئيسية؛ أولها تحالف دولة ضعيفة مع دولة قوية، تسعى الأولى من خلاله إلى الحصول على الحماية والدعم العسكري، فيما تسعى الثانية إلى تحقيق مكاسب سياسية واقتصادية واستراتيجية. أما الشكل الثاني، فيتمثل في تحالف تستفيد فيه الدولة الأقوى من الموقع الجغرافي للدولة الأخرى، أو تستخدمه لتعزيز عمقها الاستراتيجي وإبعاد المخاطر عن حدودها. بينما يقوم الشكل الثالث على تقارب القدرات والمصالح بين الدول المتحالفة، بما يؤدي إلى مضاعفة القوة وتحقيق الردع الاستراتيجي وتغيير معادلة توازن القوى.

تهديد حقيقي

والخلاصة أن التحالفات تمثل عملاً جماعياً لمواجهة المخاطر والتهديدات، وتمنح الدول فرصاً لتعزيز قدراتها العسكرية ونفوذها السياسي والاقتصادي. غير أن نجاح أي تحالف لا يقاس بعدد الدول المشاركة فيه، وإنما بمدى التزام أطرافه، وتكامل قدراتها، واستعدادها لتحمل الأعباء والتضحيات عندما تتعرض مصالحها المشتركة إلى تهديد حقيقي.

وفي الصراع القائم بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، برزت أهمية التحالفات العسكرية بصورة واضحة، وظهرت في المنطقة تحالفات واتفاقات أمنية متعددة، بعضها يمتلك قدرات عسكرية مؤثرة، وبعضها الآخر لا يزال في إطار التنسيق السياسي أو التعاون الدفاعي الذي لم يصل إلى مستوى التكامل العملياتي.

فالولايات المتحدة الأمريكية، رغم امتلاكها قدرات عسكرية هائلة وشبكة واسعة من الحلفاء والقواعد العسكرية، تواجه صعوبات في حشد تحالف دولي واسع للمشاركة المباشرة في المواجهة مع إيران، على غرار التحالفات التي تشكلت خلال حربي أفغانستان والعراق. وتبرز في هذه المواجهة العلاقة العسكرية الوثيقة بين واشنطن وإسرائيل، إلى جانب التسهيلات والدعم الذي تقدمه بعض الدول التي تستضيف قواعد ومنشآت عسكرية أمريكية.

وفي المقابل، تعتمد إيران على منظومة مختلفة من العلاقات والتحالفات، تتضمن قوى وجماعات مسلحة مرتبطة بها في عدد من دول المنطقة، مما يمنحها القدرة على توسيع مساحات المواجهة وفتح جبهات متعددة، واستخدام أساليب الحرب غير النظامية للضغط على خصومها وإرباك حساباتهم العسكرية.

وقد دفعت هذه التطورات عدداً من دول المنطقة إلى إعادة النظر في استراتيجياتها الدفاعية، والبحث عن تحالفات جديدة تستطيع من خلالها تعزيز أمنها الوطني، وتقليل اعتمادها على طرف دولي واحد في مواجهة التهديدات المستقبلية.

وتُعدّ المملكة العربية السعودية من أبرز الدول التي اتجهت إلى توسيع دائرة تحالفاتها العسكرية والأمنية خلال السنوات الماضية. فقد شاركت في تشكيل تحالف عسكري للحرب في اليمن، وسعت إلى تعزيز التعاون مع الولايات المتحدة الأمريكية في مجالات الدفاع الجوي والمعلومات الاستخباراتية وحماية المنشآت الاقتصادية والنفطية. غير أن الهجمات التي تعرضت لها بعض المنشآت الحيوية والمناطق داخل المملكة كشفت عن تحديات جدية في منظومات الحماية والدفاع، وأظهرت الحاجة إلى تنويع مصادر القوة والإسناد العسكري.

وتزداد أهمية هذه المسألة بالنسبة إلى دولة تمتلك مساحة جغرافية واسعة وحدوداً ممتدة ومنشآت اقتصادية واستراتيجية متعددة، تحتاج إلى قدرات دفاعية متكاملة، لا تقتصر على الطائرات والصواريخ ومنظومات الدفاع الجوي، وإنما تشمل القوات البرية والمعلومات الاستخباراتية والإسناد اللوجستي والقدرة على مواجهة التهديدات في أكثر من اتجاه.

ومن هذا المنطلق، اتجهت المملكة إلى تعزيز تعاونها الدفاعي مع قوتين عسكريتين صاعدتين، هما تركيا وباكستان، من خلال اتفاق مكة للدفاع المشترك، مستفيدة من قدراتهما العسكرية والبشرية وخبراتهما في الصناعات الحربية. ويعكس هذا التوجه إدراكاً متزايداً لأهمية التكامل بين القدرات الاقتصادية والمالية من جهة، والقدرات العسكرية والبشرية من جهة أخرى، بما يسهم في بناء منظومة ردع أكثر فاعلية.

كما تبرز أهمية التعاون الدفاعي مع مصر، لما تمتلكه من قوات مسلحة كبيرة وخبرات عسكرية وموقع جغرافي استراتيجي وثقل سياسي وإقليمي. غير أن المشاركة في التحالفات العسكرية، وخاصة تلك التي قد تتطلب إرسال قوات إلى خارج الحدود، تخضع لحسابات سياسية ودستورية وعسكرية دقيقة، فضلاً عن التجارب التاريخية التي ما زالت تؤثر في قرارات الدول، ومنها تجربة مشاركة الجيش المصري في حرب اليمن خلال ستينيات القرن الماضي.

وفي الاتجاه نفسه، شهدت المنطقة توقيع مذكرة تفاهم «بدر» بين قطر وتركيا وباكستان وإندونيسيا، وهي خطوة تعكس اتجاهاً نحو توسيع التعاون الدفاعي بين دول تمتلك إمكانات اقتصادية وعسكرية وبشرية متباينة، يمكن أن تحقق التكامل فيما بينها إذا تطورت إلى ترتيبات عملية واضحة.

وتؤكد هذه التحركات أن دول المنطقة بدأت تبحث عن صيغ جديدة لتأمين مصالحها الوطنية، في ظل المتغيرات المتسارعة التي يشهدها النظام الدولي، وتراجع الثقة بإمكانية الاعتماد الكامل على ضمانات الحماية الخارجية. لكن تبقى هناك حقيقة أساسية، وهي أن التحالفات، مهما بلغت قوتها، لا يمكن أن تكون بديلاً دائماً عن بناء عناصر القوة الذاتية للدولة.

وهنا يبرز السؤال الأهم بالنسبة إلى العراق: أين موقعه من هذه التحولات؟ وما نوع التحالف الذي يحتاج إليه لحماية أمنه القومي ومصالحه الوطنية؟

لقد ارتبط العراق بالولايات المتحدة الأمريكية باتفاقية الإطار الاستراتيجي الموقعة عام 2008، التي تضمنت مجالات واسعة للتعاون السياسي والأمني والاقتصادي والعلمي والثقافي. غير أن الاستفادة من هذه الاتفاقية لم ترتقِ، في جوانب متعددة، إلى مستوى الإمكانات والفرص المتاحة، ولم تتحول إلى قوة متكاملة تسهم في معالجة الاختلالات الهيكلية التي يعاني منها الاقتصاد والمؤسسات الإنتاجية والخدمية.

ومن خلال دراسة تجارب الدول التي حققت الاستقرار والتقدم، يمكن الوصول إلى استنتاج مهم، وهو أن أنجح التحالفات وأكثرها ديمومة يبدأ من الداخل، عندما تتحالف الدولة مع شعبها، وتستثمر موارده البشرية والطبيعية والعلمية، وتحولها إلى قوة حية تسهم في حماية الأمن الوطني وتعزيز الاستقلال الاقتصادي والسياسي.

فالعراق يمتلك مقومات كبيرة لبناء دولة قوية ومؤثرة في محيطها الإقليمي، لكنه بحاجة إلى استراتيجية وطنية تجمع القدرات البشرية والفنــــــــــــية والاقتصادية، وتعيد تنظيمها وتوجيهها نحو التنـــــــــمية والإنتاج، بدلاً من استمرار الاعتماد على الموارد المالية المتأتية من تصدير النفط دون استثمارها بصورة كافية في بناء قاعدة اقتصادية وصناعية متينة.

إن القوة الحية لا تعني عدد السكان وحده، ولا حجم القوات المسلحة أو الموارد الطبيعية، وإنما تعني قدرة الدولة على تحويل هذه المقومات إلى طاقة إنتاجية وعلمية واقتصادية ومجتمعية منظمة، تستطيع مواجهة الأزمات والتحديات، وتسهم في تعزيز صمود الدولة واستقلال قرارها الوطني.

ولتحقيق ذلك، فإن العراق بحاجة إلى إعادة هيكلة مؤسساته الإنتاجية والخدمية، وفي مقدمتها وزارات النفط والكهرباء والصناعة والزراعة، ووضع برامج عملية للاستفادة من الموارد المتاحة، وتكليف الكفاءات العلمية والمهنية بإدارة المشاريع الحيوية بعيداً عن المحاصصة والتدخلات الحزبية.

منشآت نفطية

فمن غير المعقول أن يكون العراق من أبرز الدول المنتجة والمصدرة للنفط، وفي الوقت نفسه يستورد بعض المشتقات النفطية، ويستمر في حرق كميات كبيرة من الغاز المصاحب لاستخراج النفط، بينما يحتاج إلى هذا الغاز لتشغيل محطات الكهرباء والصناعات المختلفة. ولذلك فإن تطوير المصافي، واستثمار الغاز المصاحب، وتحديث المنشآت النفطية، ينبغي أن يشكل أولوية وطنية في بناء القوة الاقتصادية للدولة.

كما تبرز أهمية إعادة تأهيل شبكة أنابيب تصدير النفط ونقله، سواء باتجاه تركيا أو سوريا، ودراسة إمكانية الاستفادة من مسارات التصدير القديمة باتجاه المملكة العربية السعودية والبحر الأحمر، بما يمنح العراق منافذ متعددة لتصدير ثروته النفطية، ويقلل تعرض اقتصاده للمخاطر الناتجة عن إغلاق الممرات البحرية أو اضطراب الأوضاع الإقليمية.

ولا تقل الصناعة الوطنية أهمية عن قطاع النفط، فقد امتلك العراق في مراحل سابقة قاعدة صناعية واسعة، تضم مصانع الأسمدة والبتروكيميائيات في البصرة وبيجي، ومعمل الزجاج في الأنبار، ومعمل السكر في ميسان، ومعامل الأنسجة في النجف، ومعامل الخياطة في واسط، فضلاً عن منشآت التصنيع الحربي وغيرها من المشاريع التي كانت تسد جانباً مهماً من الحاجة المحلية، ويسهم بعضها في التصدير إلى الأسواق الخارجية.

إن إعادة تشغيل هذه المصانع وتأهيلها وفق أساليب الإدارة والتكنولوجيا الحديثة، يمكن أن توفر آلاف فرص العمل، وتحد من الاستيراد، وتعيد بناء المهارات الصناعية الوطنية، وتمنح الاقتصاد العراقي قاعدة إنتاجية تسهم في دعم الأمن القومي.

ويمتلك العراق أيضاً ثروة تاريخية وحضارية ودينية وسياحية قلّ نظيرها في المنطقة، تمتد من آثار سومر وأكد وأور ونمرود، إلى المراقد الدينية ومقامات الأنبياء والأئمة، فضلاً عن الأهوار والمواقع الطبيعية والتراثية. ويمكن للاستثمار الجاد في هذه القطاعات أن يفتح أبواباً واسعة للتنمية والتشغيل، ويحول السياحة إلى مورد اقتصادي مستدام يرفد خزينة الدولة ويوفر فرص العمل للشباب.

لكن تحقيق هذه الأهداف يتطلب قبل كل شيء مصالحة حقيقية بين الدولة والمجتمع، تقوم على مكافحة الفساد، وحصر السلاح بيد الدولة، وإخضاع المنافذ الحدودية لسلطة المؤسسات الرسمية، وحماية المال العام، وإنهاء هيمنة المصالح الحزبية والمكاتب الاقتصادية على المشاريع والموارد الوطنية.

كما يتطلب استقطاب الكفاءات العراقية المنتشرة في مختلف دول العالم، من العلماء والمهندسين والأطباء والخبراء وأصحاب الاختصاصات الدقيقة، الذين يقدمون خبراتهم ومهاراتهم لدول أخرى، بينما يحتاج وطنهم إلى هذه القدرات لبناء مؤسساته وتطوير اقتصاده وتعزيز إمكاناته العلمية والتكنولوجية.

ولعل التجارب التنموية في ماليزيا وسنغافورة وعدد من الدول الآسيوية تقدم دروساً مهمة في كيفية الاستثمار في الإنسان والتعليم والصناعة والإدارة، وتحويل الموارد والقدرات الوطنية إلى عناصر قوة اقتصادية وسياسية، تمكن الدولة من حماية مصالحها وتعزيز مكانتها الدولية.

إن بناء القوة الحية في العراق يبدأ من استثمار طاقات الشباب والخريجين والعلماء والخبراء، وإعادة الاعتبار إلى الكفاءة والنزاهة والإنتاج، وإعداد استراتيجية وطنية شاملة تعيد تنظيم الموارد البشرية والطبيعية وتوجيهها نحو التنمية. فالدولة التي تنجح في تحقيق الأمن الاقتصادي والاجتماعي لمواطنيها، وتكسب ثقتهم وتستثمر قدراتهم، تمتلك قاعدة صلبة للصمود في مواجهة الأزمات والتهديدات.

وعليه، فإن العراق ليس أمام خيارين متعارضين، إما التحالف مع الدول الأخرى أو الاعتماد على نفسه، وإنما يحتاج إلى ترتيب أولوياته الاستراتيجية، بحيث تكون قوته الذاتية الأساس الذي تنطلق منه علاقاته وتحالفاته الخارجية، لا أن تصبح تلك التحالفات بديلاً عن بناء الدولة ومؤسساتها.

*فالحلفاء قد تتغير مصالحهم ومواقفهم بتغير الظروف السياسية والعسكرية، أما الشعب الذي يشعر بأن الدولة تمثله وتحمي مصالحه وتصون كرامته، فإنه يبقى مصدر قوتها الحقيقي والأكثر ديمومة.*

وهذه هي القوة الحية التي يحتاج إليها العراق؛ تحالف الدولة مع شعبها، واستثمار الإنسان والموارد، وبناء اقتصاد منتج ومؤسسات رصينة، لتكون قادرة على مواجهة تقلبات المستقبل، وحماية أمنها الوطني وصيانة سيادتها وقرارها المستقل.

 فريق ركن دكتور

 

 


مشاهدات 73
الكاتب محمد العسكري
أضيف 2026/10/24 - 4:45 PM
آخر تحديث 2026/10/25 - 12:00 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 22 الشهر 48805 الكلي 16633974
الوقت الآن
الأحد 2026/10/25 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير