الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
العملية العسكرية الأمريكية المرتقبة على إيران

بواسطة azzaman

إختلاف في التسمية والأهداف ثابته

العملية العسكرية الأمريكية المرتقبة على إيران

قتيبة آل غصيبة

 

منذ أن أرسى الرئيس الأمريكي «جيمي كارتر؛ ت: 2024» عقيدته الاستراتيجية التي أقرّها الكونغرس عام 1980، والتي صاغت ملامح السياسة الأمريكية في منطقة الخليج العربي لعقود متعاقبة؛ حيث أصبح لدى أي رئيس أمريكي صلاحية استثنائية تُتيح له توظيف القوة العسكرية لمدة تصل إلى شهرين دون أن يستأذن الكونغرس أو يرجع إليه طلباً للموافقة.، فقد وفّرت هذه الصلاحية غطاءً قانونياً مريحاً لكل العمليات العسكرية الأمريكية التي تلت ذلك؛ من حرب الخليج الأولى عام 1991 إلى الثانية عام 2003؛ ومن أفغانستان إلى الصومال؛ ووصولاً إلى العمليتين المتتاليتين على إيران: «عملية مطرقة منتصف الليل في حزيران 2025» ؛ ثم «عملية الغضب الملحمي التي انطلقت في 28 شباط 2026 وانتهت بهدنة في 8 نيسان الماضي؛ قبل أن تستكمل أمدها القانوني المسموح به،» فقد حرص الرئيس دونالد ترامب التأكيد صراحةً بأن ما جرى كان عملية عسكرية لا حرباً»، وهو توصيف ليس بلاغياً بقدر ما هو دستوري بامتياز؛ يضع الحدث في الإطار القانوني الذي يُحصّن الرئيس من التزامات الرجوع إلى الكونغرس.

مطرقة ثقيلة

واليوم، وفي ضوء ما تتداوله مصادر مطّلعة من أن البنتاغون يدرس جدياً عملية عسكرية جديدة على إيران  تحمل اسم «المطرقة الثقيلة»، لا نجد أنفسنا أمام مفاجأة؛ بل أمام امتداد منطقي لمسار يجري في خطٍّ مرسوم بدقة، فالمنطق العملياتي الأمريكي يُملي أن تكون كل ضربة جديدة مُغلَّفة بأسماء مختلفة وأهداف معلنة تبدو متجددة؛ بينما جوهرها الاستراتيجي يبقى واحداً؛ وهو: «استنزاف القدرة الإيرانية وتفكيك بنيتها الصاروخية والنووية وإجبارها على طاولة تفاوض لا تملك فيها أوراقاً كافية.ة، إن تغيير الاسم في هذا السياق ليس تزويقاً خطابياً؛ بل هو إعادة الضبط للساعة القانونية من الصفر؛ وفتح لنافذة جديدة من الشهرين التي يمنحها القانون للرئيس ألامريكي.

وفي هذا الصدد، فالمعادلة الزمنية هنا تستحق وقفة تحليلية متأنية، إذ إن الانتخابات التشريعية الأمريكية النصفية موعدها في تشرين الثاني 2026؛ وهو موعد يُلقي بظلاله الثقيلة على كل حسابات الإدارة الأمريكية، فترامب الذي يُدرك أن التاريخ الانتخابي الأمريكي يُكافئ الرئيس الذي يُقدّم لناخبيه انتصاراً ملموساً في السياسة الخارجية قبيل الاستحقاقات الانتخابية؛ يرى في الملف الإيراني ورقةً يمكن توظيفها بدقة إذا أُحسن توقيتها، من خلال عملية عسكرية جديدة تُطلق في الأشهر القادمة؛ تنتهي باستسلام إيراني أو اتفاقية يُقدّمها ترامب على أنها انتزعها من خصم عنيد، وسيكون لها أبلغ ألأثر في حسابات استراتيجيي الحزب الجمهوري في صناديق الاقتراع من أي خطاب انتخابي.

 

وبالمقابل فإن الصورة لا تكتمل دون استحضار الطرف الآخر، فإيران التي خرجت من «عملية الغضب الملحمي» بأثمان باهظة على بنيتها التحتية العسكرية؛ تجد نفسها في وضع استراتيجي بالغ الهشاشة، فقدرتها على الردع التقليدي قد تآكلت؛ وأوراق ضغطها الإقليمية عبر وكلائها في العراق واليمن ولبنان باتت هي الأخرى في تراجع ملحوظ، والسؤال الذي تواجهه طهران؛» ليس إن كانت هناك ضربة جديدة واردة؛ بل متى ستأتي وكيف تستطيع التفاوض على شروط أقل إذعاناً قبل أن تبدأ»، في هذا التفاعل يكمن جوهر المشهد القادم: «إيران التي تبحث عن مخرج يحفظ ماء وجه نظامها، وأمريكا التي تضغط لانتزاع تنازلات جوهرية في ملفها النووي والصاروخي قبل موسم الانتخابات

وفي هذا السياق المشحون تحديداً لا يمكن فهم زيارة الرئيس ترامب ووصوله إلى بكين في 13 أيار 2026 بمعزل عن المشهد الاستراتيجي الإيراني المصاعد، فهذه الزيارة هي الأولى لرئيس أمريكي إلى الصين منذ تسع سنوات، والثانية لترامب نفسه بعد زيارته لها في 2017؛ إذ جاءت في توقيت بالغ الدلالة يكشف أن أجندتها الحقيقية تتجاوز بكثير ما يُعلَن من ملفات تجارية وتكنولوجية؛ فقد كان من المقرر أصلاً أن تجري الزيارة في أواخر آذار أو مطلع نيسان؛ غير أنه أرجأها للتفرغ للحرب، وهو ما يُشير إلى أن التوقيت الراهن جاء بعد اكتمال الحسابات لا قبلها، وتُفيد مصادر مطّلعة بأن بكين تحمل آمالاً على هذه الزيارة لبحث ملف فتح مضيق هرمز والعلاقات الاقتصادية إلى جانب الملفات السيادية الحساسة ، وهنا تتجلّى الأسباب الحقيقية وراء هذه الزيارة: «فالصين التي تعتمد اعتماداً حيوياً على تدفق النفط الخليجي عبر هرمز لا تستطيع أن تقف متفرجةً أمام أي عملية عسكرية جديدة قد تُعيد إغلاق ذلك الممر أو تُهدد استقرار؛ وبالتالي فهي في حاجة ماسّة إلى ضمانات أمريكية صريحة أو ضمنية بشأن ما قد يتبع، ومن جهة أخرى فإن بكين تتسع إلى تعزيز موقعها في سباق الذكاء الاصطناعي مما يجعلها بحاجة إلى الرقائق الأمريكية المتقدمة؛ في حين قد تلوّح بورقة المعادن الأرضية النادرة في أي مساومة» ، وعليه فإن ما يجري في بكين هذه الأيام ليس مجرد قمة تجارية روتينية؛ بل هو في جوهره تفاوض أمريكي صيني على قواعد الاشتباك في المرحلة القادمة: « فالرئيس ترامب يطلب من بكين ألا تُعرقل عملياته المرتقبة ضد إيران أو تُموّلها، وبكين تطلب ثمناً اقتصادياً وجيوسياسياً مقابل صمتها أو تعاونا؛ لا سيما في ملف تايوان الذي تشعر الصين حياله بالاستياء من خطط واشنطن لبيع أسلحة للجزيرة ذاتية الحكم التي تعتبرها الحكومة الصينية جزءاً لا يتجزأ من أراضيها.

تعقيدات تشريعية

وعلى أية حال، فإن عقيدة كارتر التي وُلدت في زمن الحرب الباردة استجابةً للتمدد السوفيتي نحو الخليج في حينها؛ قد تجاوزت مُبتكِرها في عمرها وتأثيرها؛ وأصبحت الأداة الدستورية المفضّلة لكل رئيس أمريكي يريد توظيف القوة العسكرية بأقل قدر ممكن من التعقيدات التشريعية، وما نشهده اليوم لا يمكن اعتباره الفصل الأخير في سلسلة لم تُغلق بعد؛ بل فصلٌ قد تكتبه « عملية المطرقة الثقيلة إذا صحّت التقديرات»؛ وتُمليه الساعة الانتخابية قبل أن يُمليه المنطق العسكري الخالص، وبهذا المعنى تصبح زيارة بكين حلقةً لا غنى عنها في هذه السلسلة المتشابكة، إذ لن تُطلق واشنطن مطرقتها الثقيلة قبل أن تطمئن إلى أن الجانب الصيني لن يُفسد الحسابات؛ ولن تُوقّع بكين على أي تفاهم قبل أن تقبض ثمنه كاملاً غير منقوص... والله المستعان.

 


مشاهدات 83
الكاتب قتيبة آل غصيبة
أضيف 2026/05/16 - 3:13 PM
آخر تحديث 2026/05/17 - 2:19 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 124 الشهر 15487 الكلي 15860681
الوقت الآن
الأحد 2026/5/17 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير