عند الغروب، صعدنا إلى حافلةٍ من أمام الفندق، كأننا في مركبٍ سكران يشقُّ آخر خيطٍ من الضوء، لتأخذنا إلى شارع ريتشارد، شريان العاصمة سنغافورة وعمودها الفقري الذي لا يهدأ. بعد ربع ساعة هبطنا في مرآبٍ خلفيٍّ أنيق، ثم سرنا في ممرٍّ مضاء بنورٍ بنفسجي خافت، تحفُّ بجانبيه شجيراتُ الخزامى كأنها حرسٌ عطريٌّ يرافق الغرباء إلى قلب المدينة. كان الممرُّ يفضي إلى بداية شارعٍ عريضٍ جدًا، شارعٍ يشبه نهرًا من البشر، يتدفّق بلا انقطاع. شدّت أنظارنا امرأةٌ تقف على منصةٍ مرتفعة قرب إشارة المرور. وجهُها مطليٌّ بالذهب، ويدُها اليمنى مغطاةٌ بقفازٍ ذهبيٍّ أيضًا، تحمل عصًا طويلة كأنها صولجانُ ملكةٍ خرجت من كتابٍ أسطوري. كانت تفتح فمها بين حين وآخر، فينطلق منهُ سربُ فراشاتٍ ملوّنة، يتطاير حول رأسها بمشهدٍ يربك العين ويعقد ألسنة المتفرجين. ثم تعود فتفتح فمها، فتختفي الفراشات في كهفٍ غامضٍ داخله، كأنها تبتلع الضوء نفسه. التقطت ابنتي حُسنى صورًا لها، لكن المفاجأة أنَّ الفراشات لم تظهر في أي صورة، كأنها كانت وهماً بصريًا أو خدعةً بارعةً من امرأةٍ تعرف كيف تُربك الواقع وأنظار المتفرجين. انتقلنا بعدها إلى رجلٍ يرتدي معطفًا أسود قصيرًا وبنطلونًا من جلد الأفعى، وقد وضع قبعةً سوداء على رأسه. كان واقفًا كتمثالٍ من الشمع، لا يتحرك ولا يرمش، كأنَّ الزمن توقف عنده. لبثنا ننتظر أن يحرّك جسده، حتى يئسنا، وقبل أن نغادره غمز بعينه اليمنى وتبسّم بفتورٍ يشبه ابتسامة ظلٍّ على جدار. في منتصف الشارع توقفنا عند كشكٍ لأحد الإخوة المصريين، يبيع عصير المشمش والفلافل. كانت الفلافل شهيةً كأنها قادمةٌ من مطعم «الجحش» في السيدة زينب، فتناولتُ شطيرتين منها، ثم واصلنا التجوال في الشارع الباذخ حقًا. أشجارُ اللوز المزهرة على جانبيه كانت تتلألأ بمصابيح زرقاء، تُضفي على وجوه المارة نظارةً وسكينة ترفلُ بالمتعة، بينما النوافير الراقصة تتصاعد في الهواء كأنها أنفاسُ المدينة، وفي منتصفها تماثيلُ برونزية بأشكالٍ جذّابة. من سيدةٍ عجوز تقف خلف عربةٍ جوّالة اشترينا البوظة، ثم هبطنا عبر مصعدٍ في نهاية الشارع إلى سبعة طوابق تحت الأرض. الطابق الأول كان يعرض ألبسةً فاخرة من الماركات العالمية بأسعارٍ باهظةٍ تهزم الجيوب، فهربنا إلى الطابق الثاني الذي اختصّ ببيع الورد وديكورات المنازل. الطابق الثالث كان للميك آب، وهناك صرفنا وقتًا طويلًا لأنَّ حُسنى كانت تبحث عن ماركةٍ تساعدها على إزالة بهاقٍ ظهر في رقبتها قبل شهور، لكنها لم تعثر عليها. لم نكمل تجوالنا في بقية الطوابق، فقد بدأ التعب يهبط علينا مثل غبارٍ ثقيل. وفي طريق العودة مررنا خطفًا على شارع الهنود، الذي تزيّنه مصابيحٌ على هيئة زهورٍ ملونة كبيرة، حتى وصلنا إلى الفندق شبه موتى، كأن المدينة استنزفت ما تبقّى من خطواتنا.
يتبع…
حسن النواب