الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الخيارُ الرابعُ الأصعب: من أين تأتي الدولةُ بالإيرادات؟

← بواسطة azzaman

الخيارُ الرابعُ الأصعب: من أين تأتي الدولةُ بالإيرادات؟

محمد خضير الانباري

 

تحدثَ رئيسُ مجلسِ الوزراء، السيدُ عليّ الزيدي، أمامَ عددٍ منْ رؤساءِ الكتلِ النيابية، عنْ صعوبةِ الوضعِ الماليِ الذي تسلمتْ فيهِ حكومتهُ مسؤولياتها، في ظلِ عجزٍ ماليٍ والتزاماتٍ داخليةٍ وخارجية، وتراجع محتمل في الإيراداتِ النفطيةِ نتيجةْ تداعياتِ الحربِ الأمريكيةِ – الإيرانية، واضطراب الملاحةِ في مضيقِ هرمز، الذي يمثلُ ممرا حيويا لصادراتِ النفطِ العراقي.

   تعتمدُ الموازنة العراقية، اعتمادا كبيرا على الإيراداتِ النفطية، الأمر الذي يجعلها شديدةْ التأثرِ بتقلباتِ الأسواقِ العالمية، وأيِ اضطرابٍ في التصدير، في مثلِ هذهِ الظروف الاقتصادية الصعبة، تجدُ الحكومة نفسها أمامَ ثلاثةِ خياراتٍ صعبة مثلما طرحه رئيس مجلس الوزراء، منْ بينها تخفيض الرواتبِ بنسبٍ كبيرة، أوْ تأخيرِ صرفها، أوْ اللجوء إلى الاقتراضِ الداخليِ والخارجيِ بما يضيفهُ منْ أعباءٍ على الماليةِ العامة.

     منْ هذا المنطلق، جاءَ قرارُ تعديلِ سعرِ صرفِ الدينارِ مقابلَ الدولار، كبديل للخيارات المذكورة الثلاث، بهدفِ زيادةِ الإيراداتِ الديناريهِ المتحققةِ منْ تحويلِ عائداتِ النفطِ الدولارية، وتوفيرِ السيولةِ اللازمةِ لتغطيةِ الرواتبِ والنفقاتِ العامة، وهذهِ تخريجه اقتصادية، تستحقُ المناقشة بعيدا عنْ المزايداتِ السياسيةِ والإعلامية، لكنها لا تعني، أنَ القرارَ خالٍ منْ الكلفةِ أوْ أنَ آثارهُ ستتوزعُ بالتساوي على المواطنين.

إنَ تعديلَ سعرِ الصرفِ، قدْ يزيدُ ما تحصلُ عليهِ الخزانةُ منْ دنانيرَ مقابلَ الدولارِ الواحد، لكنهُ لا يخلقُ إيرادات نفطية إضافية بالدولار، ولا يعالجُ وحدهُ أسبابَ العجزِ والاعتمادِ المفرطِ على النفط، كما قدْ يؤدي إلى ارتفاعِ أسعارِ السلعِ المستوردةِ وتراجعِ القدرةِ الشرائيةِ للمواطن، ولا سيما أصحاب الرواتبِ الثابتةِ والمتقاعدونَ والفئات محدودةْ الدخل، لذلك، فإنَ تقييمَ القرارِ، ينبغي أنْ يستندَ إلى حساباتِ الإيراداتِ والنفقاتِ وآثارهِ الاجتماعية، لا إلى المواقفِ السياسيةِ وحدها.

  الخيارُ الرابعُ الأصعب: منْ هنا برزَ هذا الخيارُ الشعبي، الذي حظيَ باهتمامِ المتابعينَ والنقادِ والمتخصصينَ في الشأنينِ الماليِ والاقتصادي، حيثُ يشملُ العديدَ منْ النقطِ التي أثرها ذا الشأنِ المالي بوصفهِ مسارا إصلاحيا يقومُ على تنويعِ الإيراداتِ العامة، المتمثل في البحثِ عنْ مواردَ ماليةٍ حقيقيةٍ ومستدامة، ومكافحةْ الهدر، وترشيد الإنفاقِ الحكومي،  التي تجاوزتْ الخمسةَ وعشرينَ اقتراحا، نشرتها معظم وسائلِ الإعلام، بما يضمنُ عدالةَ توزيعِ الأعباءِ وصونِ المالِ العام.

  إن التعاملُ معَ الأزمةِ الماليةِ، لا يمكنُ أنْ يقتصرَ على إجراءٍ منفرد، بلْ يتطلبُ برنامجا إصلاحيا متكاملاً يوازنُ بينَ تعظيمِ الإيرادات، وضبطِ النفقات، وتعزيزِ كفاءةِ الإنفاق، بما يحققُ الاستقرار المالي، ويحفظُ حقوقَ المواطنين.

  تعد تلك المسارات المقترحة، إنْ طبقتْ بشكلٍ ما يرتئيها أصحابُ الفكرِ الماليِ والاقتصادي،  فهيَ ليستْ متساويةً في أثرها أوْ سرعةِ تنفيذها؛ فبعضها يحقق، وفورات مباشرة، وبعضها يحتاجُ إلى إصلاحاتٍ تشريعيةٍ وإدارية، وبعضها لا تظهرُ نتائجهُ إلا على المدى المتوسطِ والطويل، لذلكَ ينبغي ترتيبها وفقَ حجمِ العائدِ المتوقع، وكلفةِ التنفيذ، والمدةِ اللازمةِ لتحقيقِ النتائج، بديلاً عنْ الاكتفاءِ بإعلانِ قائمةٍ طويلةٍ منْ الإجراءات.

تكمنُ صعوبةُ تطبيق الخيارِ الرابع، في أنَ مواضعَ الهدرِ معروفةٌ في جوانبَ كثيرة، لكنَ معالجتها تصطدمُ أحيانا بمصالحَ سياسيةٍ وإداريةٍ راسخة، كما أنَ بعضَ الرواتبِ والتعويضاتِ والامتيازاتِ تستندُ إلى قوانينَ نافذة، فلا يجوزُ إلغاؤها بقرارٍ إداريٍ منفرد، وإنما ينبغي إصلاحها عبرَ الوسائلِ الدستوريةِ والتشريعيةِ المناسبة.

  منْ الناحيةِ الاقتصادية، لا يصحُ الاعتقادُ بأنَ تقليصَ الامتيازاتِ وحدهُ سيعالجُ عجزا ماليا كبيرا؛ إذْ لا بدَ منْ الجمعِ بينَ ترشيدِ الإنفاق، وتحسينِ تحصيلِ الإيرادات، ومكافحةِ الفساد، وتطويرِ القطاعاتِ الإنتاجية، وإدارةِ المواردِ النفطيةِ بكفاءةٍ أعلى، وكذلك، فإنَ أيَ إصلاحٍ ماليٍ ناجحٍ يحتاجُ إلى تقديراتٍ منشورةٍ للعجزِ والسيولةِ والالتزامات، وأهداف قابلة للقياس، وجدول زمنيّ للتنفيذ، ومراجعة دورية للنتائج.

     هنا يبرزُ السؤالُ الحقيقي: هلْ تستطيعُ السلطتانِ التنفيذيةُ والتشريعية، البدءَ بإصلاحِ الإنفاقِ العامِ والامتيازاتِ غيرِ الضرورية، وتقديم نموذجٍ في الانضباطِ المالي، قبلَ اللجوءِ إلى إجراءاتٍ تزيدُ الأعباءُ على المواطنين؟

  إنَ المسؤوليةَ الوطنية، تقتضي، ألا يكونَ راتب الموظفِ البسيطِ أوْ المتقاعد هوَ الموردُ الأسهلُ لتغطيةِ العجز، في حينِ تبقى أبوابُ الهدرِ مفتوحة، وينبغي مصارحةُ الشعبِ بحقيقةِ الوضعِ المالي، وبالنتائجِ المتوقعةِ لأيِ قرار، بعيدا عنْ الوعودِ غيرِ الواقعيةِ أوْ المزايدات التي لا تقدمُ بديلاً اقتصاديا قابلاً للتطبيق.

والأهم من كل هذا ، بأنْ تبدأَ الدولةُ بإصلاحِ نفسها قبلَ أنْ تطلبَ منْ المواطنِ تحملَ المزيد، وهوَ ليسَ شعارا إعلاميا، بلْ التزام ببرنامجِ إصلاحٍ معلن، يحددُ الإيراداتِ المستهدفة، والنفقاتِ التي يمكنُ خفضها، والأموال الممكن استردادها، والقطاعات القادرة على تنميةِ مواردِ الدولة، معَ رقابةٍ مستقلةٍ ومحاسبةٍ عادلة.

   إنَ الأزمةَ المالية، لا تعالجُ بتغييرِ سعرِ الصرفِ وحده، ولا بالاقتراضِ المستمر، ولا بتحميلِ أصحابِ الدخولِ المحدودةِ كلفةْ الاختلالات، إنما تعالجُ بسياسةٍ ماليةٍ واقعية، واقتصادِ منتج، وعدالةٍ في توزيعِ الأعباء، وإرادة سياسية تجعلُ المالَ العامَ أمانةَ لا امتيازا.

  يبقى السؤالُ الذي ينتظرُ العراقيينَ إجابته: هلْ تتوزعُ كلفةَ الأزمةِ بعدالةٍ على الجميع، أمٌ يتحملها المواطنُ الذي لا يملكُ سوى راتبه، فيما تبقى الامتيازاتُ بمنأى عنْ الإصلاح؟

 


مشاهدات 47
الكاتب محمد خضير الانباري
أضيف 2026/10/12 - 3:32 PM
آخر تحديث 2026/10/13 - 12:05 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 15 الشهر 22583 الكلي 16607752
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/10/13 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير